يوسف وهبي.. ابن باشا.. عاشق للجميلات.. ومدمن للقمار

 

**عشق الفن فصار “عارا” على والده الباشا وهرب إلى إيطاليا

 

المندرة: منة الله محسن
عندما ننظر جيدا إلى حياة العمالقة الراحلين من “زمن الفن الجميل” نجد أن هناك سمة عامة بينهم وهي عشقهم الهائل وغير المحدود لفنهم لدرجة تجعلهم يغفلون عن عيش حياتهم الخاصة، وهو ما ينطبق بشكل واضح على الفنان القدير الراحل يوسف وهبي، فبالرغم من استطاعته الزواج وبناء حياته الخاصة وانحداره من عائلة عريقة حيث كان والده عبد الله باشا وهبي، مفتش الري بالفيوم، إلا أن زوجته كانت دائمة المعاناة والحزن بسبب علاقاته النسائية المتعددة وإدمانه للعب “البوكر” الذي تسبب في ضياع أمواله في سنوات حياته الأخيرة، ولكنها أيضا كانت دائمة الغفران له بسبب عودته لها نادما في كل مرة.

 

وتخليدا لذكرى وهبي، أسس بعض مفكري الفيوم “جمعية مسرحية” عام 1983، جميع أعضاءها من الفيوم وأسموها باسمه، وبالرغم من رحيله قبل افتتاحها إلا أن زوجته “سعيدة هانم” حضرت من القاهرة وأعطتهم معلومات عن حياته ومسرحياته وبعض الصور كأصل تراثي لهم، وعاش الفريق المسرحي أزهى عصوره الثقافية ليخوض مهرجانات ويفوز في العديد من المسابقات، واعتادت الجمعية أن تحيي ذكرى يوسف وهبي في السابع عشر من يوليو كل عام في حضور أعلام المحافظة، وبدعم من الدكتور عبد الرحيم شحاتة، محافظ الفيوم سابقا، وبمشاركة كبار الفنانين مثل زوزو نبيل، وأمينة رزق، ومحسن سرحان، ولكنها بعد فترة أصبحت لا تملك حق دفع راتب العمال فيها بعد أن توقف نشاطها تماما منذ عام 2005. ولمعرفة المزيد عن الجمعية وأسباب توقفها ادخل هنا.

 
ولد يوسف وهبي في 17 يوليو 1900 بمنزل عائلته الذي كان يقع على شاطئ بحر “يوسف” بالفيوم، ولذلك سماه والده بهذا الاسم. وقام والده بحفر “ترعة عبد الله وهبي” والتي حولت آلاف الأفدنة من الأراضي الصحراوية إلى أراضي زراعية، كما أنشأ المسجد المعروف باسم “مسجد عبد الله بك” المطل على كوبري “مرزبان” بالفيوم.

 

وبدأ وهبي تعليمه بالشكل التقليدي كبقية الأطفال في ذلك الوقت حيث بدأ في كُتاب “العسيلي” بمدينة الفيوم ثم التحق بالمدرسة “السعيدية”، ولكن عند مشاهدته لفرقة الفنان اللبناني “سليم القرداحي” في سوهاج انقلب كل شيء رأسا على عقب حيث ظهر لديه ولعه وشغفه بالتمثيل وبدأ بأداء “المونولوجات” بين النادي الأهلي والمدرسة، وتدرب وقتها أيضا على يد المصارع “عبد الحليم المصري”، بطل الشرق في المصارعة في ذلك الوقت، وعمل كمصارع في سيرك “الحاج سليمان”، ولم يكن هذا أمرا مقبولا لدى عائلته ووالده الباشا وحتى يتخلص والده من “العار” الذي يلحقه ابنه به طرده من بيت العائلة وألحقه بالمدرسة الزراعية في محاولة منه لـ “إصلاحه وتهذيبه”.
 

وفي ذلك الوقت، كان حب وهبي للفن والتمثيل ينمو بداخله، فطار مسرعا إلى إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى بإغراء من صديقه القديم محمد كريم، ودرس التمثيل على يد الممثل الإيطالي “كيانتوي”، وعاد إلى مصر سنة 1921 بعد وفاة والده فحصل على حصته في الميراث المقدرة بعشرة آلاف جنيه ذهبي وكون فرقة مسرحية باسم “رمسيس” في نهاية العشرينيات مكونة من مجموعة ممثلين أبرزهم حسين رياض، عزيز عيد، زينب صدقي، أمينة رزق، فاطمة رشدي، وعلوية جميل، وقدم أكثر من 300 مسرحية مؤلفة أو معربة أو مقتبسة.

 

وكانت أولى أعماله المسرحية هي مسرحية “كرسي الاعتراف”، ونقل هذه المسرحية من خشبة المسرح إلى شاشة السينما، كما نقل مسرحيات “راسبوتين”، و”المائدة الخضراء”، و”بنات الشوارع”، وقدم هو وفرقته أكثر من 300 رواية مؤلفة ومعربة ومقتبسة فصار من ألمع أساتذة المسرح العربي، وكانت المسرحيات التي يقدمها على “مسرح رمسيس” من الأدب الفرنسي والإيطالي والإنجليزي.

 

أسس شركة “رمسيس فيلم” للإنتاج السينمائي عام 1930 بالتعاون مع صديقه القديم محمد كريم، وأنتجت الشركة عدة أفلام منها “زينب” 1930، و”أولاد الذوات” عام 1932 وكان أول فيلم ناطق في العالم العربي وهو مقتبس عن إحدى مسرحياته، ثم كتب وأخرج فيلم “الدفاع” عام 1935 بالتعاون مع نيازي مصطفى، وقدم فيلمه الثالث “المجد الخالد” عام 1937 والذي جسد فيه دور البطل وكان كاتب ومخرج الفيلم.

 

وحصل وهبي على لقب “البكوية” ووسام الاستحقاق من الطبقة الأولى عقب حضور الملك فاروق الأول عرض فيلم “غرام وانتقام” في سينما “ريفولي” عام 1960، كما أطلقت عليه عدة ألقاب منها “أبو المسرح” و”فنان الشعب”.

 

ولم يستمر وهبي في الإخراج طويلا حيث تركه في أفلام “ليلة ممطرة”، “ليلى بنت الريف”، و”ليلى بنت المدارس”. وتأخرت مسيرته السينمائية بسبب الحملة الصحفية والدينية التي أثيرت ضده بسبب نيته في وقتها تمثيل دور “النبي محمد” في فيلم لشركة “ماركوس” الألمانية بتمويل مشترك مع الحكومة التركية، ولكنه تخلى عن الموضوع وخاض معارك مع المعترضين على صفحات الصحف حيث كادت أن تسحب منه الجنسية وقتها.

 

وفي 11 يونيو 1951 خلال شهر رمضان، نشرت مجلة “المصور” تقريرًا عن عادات رمضانية في الوسط الفني بعنوان “رمضان في الوسط الفني بين الأمس واليوم”، ورصد التقرير كيفية استقبال الفنانين، أصحاب الفرق أنفسهم لهذا الشهر، فقال التقرير عن يوسف وهبي، إنه لم يكن يصوم رمضان بل كان يمتنع فقط عن تناول الطعام، ولكنه لم يستطع الصوم عن السجائر والقهوة، وعند سماعه مدفع الإفطار كان أول من يجلس على المائدة. ويصفه الكاتب في المجلة بأنه “كان يهجم على الطعام هجوما عنيفا ليفترس ما لذ وطاب من الديوك الرومي والفراخ”، وبعد الإفطار يغادر إلى المسرح. وكان يوسف بك وهبي حريصًا على أن يتفق مع أحد كبار المقرئين ليتولى إحياء الشهر بتلاوة آيات الذكر الحكيم في منزله.

 

وبالرغم من تأخر مسيرته الفنية إلا أنه حصل على عدد من الجوائز والمناصب الهامة خلال مشواره الفني، منها جائزة الدولة التقديرية عام 1970، ووسام “الجراند أوف سيسيه” من ملك المغرب، والدكتوراه الفخرية من أكاديمية الفنون، واختياره نقيبا للمثلين عام 1953، وعمله كمستشارًا فنيا للمسرح بوزارة الإرشاد “الثقافة حاليا”، وحيازته على جائزة الدولة التقديرية والدكتوراه الفخرية عام 1975 من الرئيس أنور السادات، ومنح بابا الفاتيكان وسام “الدفاع عن الحقوق الكاثوليكية” له ليصبح أول مسلم يحصل على هذه الجائزة إلى أن توفي يوم 17 أكتوبر 1982.

 

وشارك الفنان القدير يوسف وهبي في عدد من الأفلام مع أبطال آخرين منها: “اعترافات زوج بطولة فؤاد المهندس وشويكار، إشاعة حب بطولة سعاد حسني وعمر الشريف”، حيث يعتبر فيلم “اعترافات زوج” هو تجسيد واضح لحياة وهبي من عشقه للجميلات وإدمانه للعب “القمار”.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *