الدروس الخصوصية.. معاناة تعليمية تمتد للفيوم

 

**الحصة بـ50 جنيه والمادة الواحدة لها حصتين أسبوعيا والدروس تمتد للحاسب الآلي والرسم

**أولياء الأمور يبيعون ذهب الأم والأب يقترض لتسديد فواتير الدروس

 

الفيوم: ولاء كيلانى

تداول مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي بالفيوم، مؤخرا صورة تدل على ازدحام شديد، قد يظنه البعض تجمعا أمام “فراخ الجمعية”، أو على مجمع يوزع اللحم مجانا، ولكن الغريب أن الصورة كانت لطلاب بالفيوم. أكثر من 500 شاب من طلاب الثانوية العامة تجمعوا منذ بضعة أسابيع أمام منزل أحد مدرسي مادة “الأحياء” المشهورين لحجز دروس خصوصية في انتظار موعد العام القادم. الصورة التقطت قبل بداية إحدى الحصص للمدرس الشهير (أ.ش)، والتي قد يصل عدد الحاضرون فيها إلى أكثر من ستين طالب يزيدون إلى المائة في حصص المراجعة قبل الامتحانات. في المجتمع الفيومي البسيط، تصل قيمة الحصة إلى 50 جنيها وكل مادة لها حصتين أسبوعيا و”الحسابة بتحسب”.

 

أحمد مصطفى، 17 عاما، في الصف الثالث الثانوي، يحضر دروسا خصوصية في جميع المواد الدراسية، وذلك لأن المدرسة في الفيوم لا يستفيد منها في شي، كما يقول لـ”المندرة”، فهي مجرد مكان للترفيه وملاقاة الأصدقاء، أما بالنسبة للدراسة، فلا يوجد اهتمام من المدرسين في الشرح، وحتى لو شرحوا فلا يسمع لهم. ويضيف: “الدرس بيوفر لنا أوراق وملخصات للمناهج بشكل منظم وسهل عكس كتاب المدرسة غير المرتب ولا بقدر أذاكر فيه”. بعض المواد التي يعتبرها أحمد صعبة مثل الفيزياء والأحياء واللغة الإنجليزية، يضطر فيها لأخذ دروس خصوصية عند مدرسين اثنين مختلفين فيذهب لواحد للشرح وللآخر للمراجعة.

 

مسألة تعود

أم على، 43 عاما، هي أم لولدين في المرحلة الثانوية هما أحمد في الصف الأول وعلى في الصف الثالث الثانوي. باتت الدروس الخصوصية بندا رئيسيا يقتطع من دخل منزلها الشهري وبالتالي أصبح يشكل “إرهاقا ماديا”. ترى “أم علي” أن الظاهرة جديدة على الفيوم فمنذ حوالي خمس سنوات، لم يكن سوى الطلاب الضعفاء هم من يأخذون الدروس الخصوصية، أما اليوم فأصبحت هي السائد. تتحمل “أم علي” أسبوعيا حوالي ألفي جنيه، مما اضطرها إلى بيع ذهبها لكى تقدر هي وزوجها على “المصيبة السودا” كما تسميها وهي دروس الأبناء.

 

مسئول بمديرية التربية والتعليم بالفيوم يؤكد لـ”المندرة” حداثة الظاهرة على المجتمع الفيومي التي انتشرت من باب “التعود” فالطلاب اعتادوا على الدروس و”ارتاحوا على كده”. ورجح أحمد.ع السبب في ذلك إلى زيادة عدد الطلاب في الفصول بالمدارس. وردا على موقف المديرية من المدرسين الذين يعطون الدروس، قال مسئول التعليم إن دور المديرية هو مراقبة المدرس في المدرسة، واذا كان يقوم بعمله أم لا، لافتا إلى أنهم يقومون بحملات تفتيش وتوجيه للمدارس، يتم فيها مجازاة المدرس الذي يثبت أنه لا يؤدي عمله أو أنه يساوم الطلاب أو يجبرهم على أخذ دروس خصوصية بمقتضى القانون.

 

زياد محمود، طالب في الصف الأول الاعدادى، يأخذ دروسا في جميع المواد الدراسية حتى الحاسب الآلي والرسم لأنه يضاف إلى المجموع. يقول لـ”المندرة”: “الدروس ملهاش علاقة بإن الطالب شاطر ولا بليد. المدارس مفيهاش تعليم والمدرسين مبيشرحوش حاجة ولو شرحوا فمش بنفس كفاءة الدروس. كمان الطلبة مبيسمعوش علشان هيسمعوا الكلام تاني في الدرس”.

 

محمود السيد، 50 عاما، موظف في مركز أبشواى، لديه 5 أبناء بالمراحل التعليمية المختلفة؛ غادة وآلاء في المرحلة الابتدائية، وآية وعلى في المرحلة الإعدادية، وابنه الأكبر خالد في المرحلة الثانوية. كلهم يأخذون دروسا خصوصية حتى من هم في المرحلة الابتدائية مما كان سببا في أخذه قرض بضمان راتبه لتوفير المصاريف اللازمة. وبعد اعتراضه، برر له ابنه خالد قائلا إن المدرسين لا يشرحون من الأساس فى المدرسة الحكومية والخاصة على السواء. يقول: “أنا اتخرب بيتي من الدروس. إحنا طول عمرنا في الفيوم محدش بياخد درس لكن من حوالي 5 أو 6 سنوات انتشرت الدروس هنا وبقوا يعملوا زي المحافظات الكبرى زي القاهرة والإسكندرية والجيزة رغم إننا محافظة مستواها المادي مش عالي”.

 

ارتفاع الدخول

الجانب الآخر للظاهرة هو المدرس. لأكثر من 25 عاما، يعطي مصطفى محمد، مدرس الكيمياء، دروسا للثانوية العامة، ولأكثر من 15 عاما، يعطي سيد أحمد، مدرس اللغة الإنجليزية، دروسا للطلبة، لكن عددهم في السنوات الأخيرة زاد بشكل رهيب دون أن يعرف السبب. يعتقد سيد أن ارتفاع مستوى الدخول ربما يكون سببا في ذلك بعد سفر الكثيرين إلى إيطاليا والعودة منها أغنياء، فيما يقول مصطفى أن الطلاب منذ 20 عاما كانوا يعتمدون على المجموعات الدراسية ويكتفون ببضعة دروس كمراجعة في نهاية العام. ويضيف مصطفى: الآن لا يوجد طالب لا يأخذ دروس خصوصية حتى في المواد التي تبدو سهلة مثل الفلسفة أو علم النفس.

 

“العيب ليس في المدرس لكن في الطلاب الذين اعتادوا على ملخص الدرس وليس الكتاب المدرسي حتى فى المدارس الخاصة التي يدفع فيها الأهالي الآلاف سنويا”، هكذا يعتقد مصطفى الذي يقول إنه يشرح للطلبة “بكل ضمير” في المدرسة، لكنه لا يجد أحدا لديه استعداد للاستماع.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *