الفلاسفة الذين أورثهم “العناد الصعيدي”.. عزم إتمام الطريق

فلاسفة من الصعيد

فلاسفة من الصعيد

المندرة: مها صلاح الدين

حالة من الشرود الذهني الذي يقود إلى الوعي، هي الفلسفة، أو ربما كانت حالة تؤدي بالعقل نحو الجنون، المهم أنها رحلة يخوضها العقل البشري في مداركه الخاصة، التي تؤدي به أخيرًا لأي نتيجة تريحه ليستنبط معنى كيانات غامضة في بحر الحياة، ربما لهذا أقرت اليونسكو الخميس الثالث بشهر نوفمبر من كل عام، لتحتفل بتلك العقول التي تبذل جهدًا ذهنيًا يفوق تحمل العقل البشري العادي، ليكشف لنا حقائق، وإجابات لأسئلة، ربما تدور في ذهن الجميع، إلا أنه لا يجرؤ أن يخوض فيها، ومن تعدى ذلك الخط الأحمر وخاض بها، ربما ينهكه عقله قبل أن يتوصل فيها لنتيجة ما.

 

وبما أن ليست كل النتائج ترضي الجميع، فيكون هؤلاء الفلاسفة أول من يتعرضون للرجم بسيل من الاتهامات، لما تقودهم له معتقداتهم، التي تخالف مسلمات ومرسخات وضعتها العادات والتقاليد منذ قديم الأزل، ولم يكن لدى المجتمع الاستعداد لتغييرها، وإذ بضعاف النفوس من الفلاسفة ينزوون في برجهم العاجي، ويعتزلون المجتمعات التي رفضتهم، أو ربما يحلمون في سباتهم بالمدينة الفاضلة.

 

ومنهم من يتحمل رجم المجتمع، ويتصدى له حتى يبلغ به العمر منتهاه، كفلاسفة الصعيد، الذين قدموا في حياتهم وبعد مماتهم مبادئ تقام عليها مجتمعاتنا الآن، وأغلبهم استمر رجمهم حتى بعد الرحيل، وهذا إن دل على شيء فلا يدل إلا على عظمتهم، سواء اختلفنا مع فلسفتهم أم اتفقنا، لهذا قررت المندرة أن تحيي ذكراهم في اليوم العالمي للفلسفة.

 

رفاعة الطهطاوي

هو الأزهري إبن سوهاج، الذي تخطت قدماه خارج موطنه، نحو فرنسا، ليعود لها بفلسفة كبرى، ويكشف لها عن عالم لم تكن لتراه من قبل، ويتطلع على الفلسفة الفرنسية واليونانية، والتي كانت وقتئذٍ من المحرمات، وباب من أبواب الهرطقة والمجون، حتى لدى علماء الأزهر الذين تصدوا له، هو وبعض الحكام، كالخديوي عباس الذي قام بنفيه إلى السودان، وغيرهم الذين قاموا بدعمه مثل محمد علي، والخديوي إسماعيل، والخديوي سعيد، لم يكن الأمر هين على رفاعة الطهطاوي، فهو لم يعتني فقط بترجمة ونفل الفلسفة الأوروبية، بل قام بتأسيس منهج الأصالة والمعاصرة، والذي حوله من بعد إلى خطى عملية والتي قام فيها بجمع الآثار المصرية وتوثيقها والحفاظ عليها من الضياع، وعلى خلفية أصالتها تقوم المستحدثات والنهضة، بالتراجم، والربط بين المجتمع العربي، وما يناسبه من فكر غربي يقومه ليرقى به لمراتب الحضارة، وعلى هذه الأسس ترك لنا كتبه: مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية، المرشد الأمين في تربية البنات والبنين، أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل، نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، وهو آخر كتاب ألفه الطهطاوي، وسلك فيه مسلكا جديدا في تأليف السيرة النبوية تبعه فيه المحدثون.

 

قاسم أمين

من رحم أم صعيدية وأب سكندري، ولد رائد تحرير المرأة، والذي طالما يهاجم على منهجه حتى الآن، ويُرجع إليه أي اعوجاج في خط سير المرأة المصرية، تأثر بالشيخ جمال الدين الأفغاني، الذي كان وقتئذ مترجم خاص للشيخ محمد عبده بفرنسا حينما كان قاسم يتم دراسته هناك، فسار على نهج الإصلاح الذي كان هو نفس منهجه، راقت له حرية الرأي التي أتاحتها الثورة الفرنسية لكُتابها، وعلى الرغم من أنها لم تكن متاحة نفسها في مصر، إلا أنه حاول أن يوجدها عنوة، ليوصل للشعب المصري آراءه وأفكاره، وقد سار قاسم في خطى ثابتة نحو الإصلاح الإجتماعي وقد برز ذلك في كتبه: أسباب ونتائج وأخلاق ومواعظ، ثم أعقبه بكتاب تحرير المرأة، والذي أحدث ضجيجًا كبيرًا، واستفز العديد من المفكرين آنذاك حتى أنتجوا العديد من المعارضات له، مثل كتاب محمد طلعت “فصل الخطاب في المرأة والحجاب”، وكتاب “المرأة المسلمة” لمحمد فريد وجدي، وقد استند قاسم في منهجه إلى أحكام شرعية، مسندًا كل فكرة إلي القرآن، والأحاديث النبوية المؤكدة، لذا خاض بجسارة ضد المواجهات الشرسة بينه وبين المفكرين ورجال الدين.

 

الشيخ مصطفى عبد الرازق

هو من أخرج الفلسفة الإسلامية من بوتقة الاستنباط والاستقراء لما يناسبنا من الفكر اليوناني، وتخرج على يده العديد فلاسفة العصر الحديث مثل الدكتور علي سامي النشار، والدكتور توفيق الطويل، وهو أحد شيوخ الأزهر الشريف، ومجدد الفلسفة الإسلامية في العصر الحديث، وصاحب أول كتاب تاريخ لها بالعربية، وهو من تولى وزارة الأوقاف ثماني مرات، وكان أول أزهري يتولها، انبثق من رحم محافظة المنيا، وكان والده أحد مؤسسي جريدة “الجريدة” التي دعت إلي الحكم الدستوري والإصلاح الإجتماعي. التقى بالشيخ محمد عبده أثناء دراسته في فرنسا وتأثر به، وحصل على الدكتوراه في موضوع “الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلام”، وترجم للفرنسية كتاب “رسالة التوحيد” للإمام محمد عبده، وتولى العديد من المناصب الأكاديمية في قسم الفلسفة بجامعة فؤاد الأول “القاهرة حاليًا”.

 

الشيخ على عبد الرازق

هو أيضًا أحد أبناء محافظة المنيا وربيب الأزهر، ولكنه كرس تركيزه حول إشكالية الخلافة الإسلامية، وكونها أصل من أصول الدين الإسلامي أو لا، وبناء عليه، ألف كتاب “الإسلام وأصول الحكم” الذي أثار جدلًا كبيرًا، وأثار حفيظة شيوخ الأزهر المتزمتين، فحرموه من منصبه في الجامعة ومن أي مناصب رسمية، وحتى من معاشه، لأنه أثبت في ذلك الكتاب أن الخلافة الإسلامية ليست إلا شأن سياسي، ليس له علاقة بالدين، ودعا منذ قديم الأزل إلي الفصل بين الدين الإسلامي والدولة، مؤكدًا أن الخلافة الإسلامية كانت نكبة على الدين الإسلامي ليس إلا، وعلى الرغم من كل ذلك الضغوط التي تعرض إليها، استأنف عبد الرازق طريقه وألف”آمالي.. علي عبد الرازق”، “الإجماع في الشريعة الإسلامية”، “من آثار مصطفى عبد الرازق”.

 

طه حسين

رأى الحياة بطريقة فلسفية منذ نعومة أظافره حينما فقد بصره، وأحبها وخاف إذا استعاد بصره أن يراها بشكل غير الذي ألهمته بصيرته إياه، وعزز فلسفته بالتمرد الذي علمه له أستاذه الشيخ محمد عبده، والذي كان وراء نقمة الأزهر عليه، وطرده منه ولجوؤه فيما بعد لدراسة الأدب العربي في الجامعة المصرية، وسفره لفرنسا فيما بعد، وحتى بعدما نال شهادة الدكتوراه الأولى من مصر، لم يسلم من الجدل من المجموعات التقليدية لكسره جميع القواعد والقيود، والذي اتخذ منهج مكافح لها فيما بعد، حينما أقر حرية البحث والاجتهاد منهج للدراسة الأكاديمية بدلًا من الحفظ والتلقين. وضح من كتابات حسين أنه كان ناقمًا على المجتمع المصري والعربي بشكل عام، خاصة بعدما عاشر ثقافات غربية، فتأثرت فلسفته بها، وكان له مع مثقفين عصره عدة إشكاليات، أبرزها الهوية المصرية التي تعود من وجهة نظره إلى شعوب البحر المتوسط، وليست إلى القومية العربية، كما تعمقت دراساته في الفلسفة العربية والإسلامية أيضًا، فأعد رسالة خاصة عن ابن خلدون، وحينما سنحت له الفرصة ليشغل منصب وزير المعارف، رسخ مبدأ التعليم حق لكل مواطن كالماء والهواء. وقد ألبس حسين أعماله الفلسفية التوب الأدبي، حتى يسهل استقبالها لدى القارئ العربي, وأبرزها سيرته الذاتية “الأيام”، و”المعذبون فين الأرض” وغيرهم.

 

عباس محمود العقاد

هو فاقد الشيء الذي أعطاه، حيث لم يتم العقاد في التعليم سوى المرحلة الإبتدائية، ولكنه ترك لنا غزير الإنتاج الفكري والفلسفي والأدبي، كما تطرق في فلسفته لموضوعات شائكة، ومن بديهيات الدين، مثل “الفلسفة القرآنية”، و”الله”، “إبليس”، و”الإنسان في القرآن الكريم”، و”مراجعات في الأدب والفنون” وغيرها. نمت معاركه الفكرية مع العديد من أعلام عصره مثل الدكتور زكي مبارك، والأستاذ محمود شاكر، وبنت الشاطئ عائشة عبد الرحمن، كما كان يسلك نفس طريقه سيد قطب، حتى بدأ قطب في إتباع السياسة التكفيرية.

 

عثمان أمين

صاحب الفلسفة “الجوانية” التي جاورت القلب بالعقل، والتمسك بتلابيب الماضي بالحاضر، والتعمق في دروب النفس البشرية، واستنباط حقائق فلسفية مجردة من رحم ظواهر إنسانية بحتة غير مجردة من العواطف، هو إبن قرية مزغونة بضواحي جنوب الجيزة، وأحد رواد مدرسة الفلسفة الحديثة الذي أسسها الشيخ مصطفى عبد الرازق، ودرس علم الكلام عند المفكريين الإسلاميين القدامى مثل الفرابي وابن سينا والغزالي وغيرهم، وحصل على الدكتوراه في الفلسفة برسالة نفيسة عن العلامة محمد عبده، وانبثق منهجه في الفلسفة عن فلسفة تسمى الرواقية، بعدما درسها جيدًا وقام بتحدثها، كما كان له أيضًا العديد من الآثار الفلسفية في كتب مثل “محاولات فلسفية”، كما له العديد من الترجمات عن اليونانية.

 

أفلوطين

مؤسس الأفلاطونية الحديثة، الذي ولد على أرض أسيوط ومن ثم تنقل في أرجاء مصر في العصور الوسطى، ويقال أنه مصري الأصل، وكانت كتاباته في الميتافيزيقا لها تأثير كبير على جميع الأديان السماوية والوضعية أيضًا. كان أفلوطين شديد النفور من الأمور المادية على نهج الأفلاطونية القديمة، وقد آمن أن العصر الدنيوي هو صورة مزيفة من العصر الحقيقي الأسمى والأبقى الذي سنعيشه فيما بعد، حتى امتدت الفكرة لجسده الشخصي، كما أن السعادة بالنسبة له ليس لها علاقة بالمادة، واتفق مع المسيحيين الأرثوذوكس في شأن الخليقة “الكل من لا شيء”، ويعارض أفلوطين الأفكار التي تعتقد في أن النجوم والفلك لها علاقة بسعادة الإنسان وتعاسته، ووصف ذلك باللاعقلانية، كما تصدى لكل من هاجم فكر أفلاطون وازدراءه.

 

You must be logged in to post a comment Login