الفساد ينهش مستشفي الفيوم العام

* بالمستندات: مرفق الإسعاف يهدر سيارة بـ115 ألف جنيه ويكافئ وكيل السابق بـ1559 جنيه وألفين لمهندس سيارات

* 13 سريرا تغطي المحافظة.. وأطباء غائبون عن النوباتجيات الليلية.. والأدوية تنفد بسرعة

* 8 جنيه أجر الممرضة عن المناوبة 14 ساعة .. ونصف قطعة صابون لقسم النسا يوميا لتوليد نحو 35 حالة

* تحويل طوارئ المخ والأعصاب والأوعية الدموية والقلب إلى القصر العيني بالقاهرة

 

الفيوم: رنا ناصف

“الشاطرة بتغزل برجل حمار” كان هذا المثل هو التشبيه الذي أطلقه أطباء مستشفي الفيوم العام علي ما تقدمه المستشفي من خدمات للمواطنين رغم قلة إمكانياتها وعدم اهتمام المسئولين بها والإهمال المنتشر بداخلها، حيث قال الأطباء إن المستشفي بالرغم من حالتها السيئة إلا أنها تحقق ما لا تستطيع المستشفيات الخاصة تحقيقه.

 

تعاني المستشفي من مخالفات عديدة، حاولت “المندرة” رصد أهمها، خاصة وأنها المستشفى الأم في مركز الفيوم. وبحسب بيانات المحافظة الصادرة في “محافظة الفيوم وإنجازات عام 2010″، فإن المبنى الجديد للمستشفى تم افتتاحه بتكلفة ثمانية ملايين جنيه، بينما وصلت تكلفة التجهيزات 11 ونصف مليون جنيه على أساس توفير 310 سريرا بالمستشفى منهم 25 للعناية المركزة، لكن الواقع شيئا آخر.

 

سراير غير كافية

يتحدث الأطباء عن معاناتهم الدائمة، حيث يقول تامر عبد التواب، أخصائي القلب والعناية المركزة، إن هذه هي المستشفي العام الوحيدة التي توجد بها عناية مركزة تعمل على مدار الساعة، مشيراً إلي أنه لا يوجد بالمستشفي سوى ثلاثة عشر سريراً فقط يفترض بهم أن يغطوا المحافظة كلها، وأن أقسام طوارئ المخ والأعصاب والأوعية الدموية والقلب غير موجودين في المستشفي لأن هذا هو دور مستشفي الجامعة. وأضاف أن طوارئ المستشفي الجامعي غير مفعلة، مما يضطره إلي تحويل هذه الحالات إلي طوارئ القصر العيني في القاهرة، مؤكداً أنه في بعض الأحيان يكون مدركاً لحالة المريض الصعبة وأنه لن يتحمل السفر حتى القاهرة، وسيتوفى بالطريق، ولكنه الحل المتاح، وحتى يتجنب غضب أهل المريض.

 

لا ينكر تامر وجود إهمال بالمستشفي، ولكنه يؤكد أن الأطباء يفعلون ما بوسعهم للمساعدة، وأن أهالي المرضى لا يقدرون هذا، وأن تعامل طاقم العاملات والتمريض شرس سواء مع الأطباء أو أهالي المرضي، مشدداً علي أن إدارة المستشفي غائبة تماماً لا يسمعون عنها شيئاً.

 

يرجع أحمد أبو القمصان، طبيب امتياز، الإهمال إلي المنظومة كلها بداية من وزير الصحة إلي أصغر عامل، مؤكداً أنه لا يعفي نفسه من الإهمال، وتابع “الإهمال سلوك مجتمعي حتى المرضى أنفسهم مهملين يتعاملون مع المستشفي والأدوات الموجودة بإهمال ولا مبالاة كبيرة”.

 

نفاذ الأدوية

يوضح أبو القمصان “من ضمن إهمال الإدارة أن المستشفي ملزمة بتوفير أدوية معينة ولكن من الضغط الشديد على المستشفي فالأدوية تنفذ والوزارة لا تريد تزويد الكمية الموردة إلينا، وأحيانا نطلب من المرضي شراء حقن وسرنجات وأدوية مفترض توفرها لدينا، أيضا يجب أن يكون هناك أخصائي في كل قسم من أقسام المستشفي ليلاً، بالإضافة إلي أطباء الامتياز والمساعدين ولكن معظم الأطباء هنا لا يتواجدون في نوباتهم لانشغالهم بالعيادات الخاصة فتجد أن المستشفي ليلا تعتمد على أطباء الامتياز ولا يوجد سوى أخصائي أو اثنين في المستشفي كلها”.

 

وعلمت “المندرة” من مصادر لها داخل المستشفي أن هناك العديد من الأطباء الذين لا يتواجدون في “النوبتجية” الخاصة بهم ويقومون ويحل محلهم الطبيب المساعد، مقابل أخذ جزء من بدل “نوبتجية” الطبيب، مثل الدكتور “م ع”،مسالك بولية، والدكتور “ح م”، نساء وتوليد، والدكتور “ع ع”، قسم الباطنة”.

 

من جانبه، يرى الدكتور محمد جاب الله أن المستشفي وإدارتها “تقوم بكل ما تستطيع عمله”، ويؤكد أنه رغم معرفته بالمخالفات الموجودة بالمستشفي، فإنه يرى ضرورة أن يقوم الجميع بالعمل بكل ما لديهم من معرفة، لافتاً إلي أنه يستطيع العمل بأقل مما لديه من إمكانيات.

 

ولم تستطع “المندرة” الوصول إلي مدير المستشفي بسبب عدم تواجده المستمر بالمستشفي، وتحدث إلينا موظف من داخل الإدارة، فضل عدم ذكر اسمه، عن الجوانب المالية، قائلا إن هناك صندوق تحسين الخدمة الذي يفترض أن يتم صرف 50 % منه على أي عجز أو أعمال صيانة في المستشفي بتعليمات من وزارة الصحة، بينما يصرف النصف الثاني كالآتي: 1% لوزارة الصحة، و2% لمديرية الصحة، و47% للعاملين، مشيرا إلى أن مجلس الإدارة يقوم بصرف 33% للأطباء والباقي للعاملين كالآتي: 4% للمدير الإداري و7% للمقربين من مدير المستشفي مثل مدير مكتبه ووكيل المستشفي والمدير الإداري والحسابات و3% لباقي العمال.

 

وتحدث موظف الإدارة عن الدكتور محمد نادي سيد، وكيل المستشفي، قائلا “المناصب الإدارية تعطي لمن معهم الدرجة الأولى على الأقل، وقامت مديرية الصحة بإصدار قرار بتعيينه وكيلا للمستشفي بجانب عمله كمدير للجودة، وقالوا في القرار انه أخصائي درجة أولى وجاءت بعد ذلك لجنة من التفتيش الإداري وفحصت ملفه وتبين أنه درجة ثالثة وهي درجة لا تتناسب مع عمله فأخذ مخالفة إدارية ووجد انه أيضا قام بصرف مبالغ دون وجه حق ورغم كل هذا مازال مستمر في عمله وضرب بقرار التفتيش عرض الحائط “.

 

وعن مرفق الإسعاف، يقول الموظف إنه في تقرير الفحص والمراجعة للأعمال المالية له، وُجد الكثير من المخالفات لأحكام المواد المنصوص عليها في القرار رقم 36 لعام 1980، منها:

 

– أن مدير مرفق الإسعاف واللجنة الداخلية المشكلة من المرفق بتاريخ 29-3-2012 قاما بمنح العاملين بمرفق الإسعاف مكافآت بواقع 75% من أساسي المرتب لمدة ثلاثة شهور.

 

– منح العاملين بهيئة الإسعاف مكافآت قدرها 300 جنيه بإجمالي ثلاثة شهور من أول يناير إلى نهاية مارس للعام الماضي، دون مراعاة لمواد القانون وبالأخص مادة 34 والتي تنص على صرف الأجور الإضافية عن ساعات العمل الإضافية بما لا يتجاوز 50% من الأجر الشهري، ويجوز للجنة الزيادة بما تسمح به موازنة المركز ويشترط لمنح الأجر الإضافي وجود أعمال يقرها المدير في غير أوقات العمل الرسمية.

 

– صرف 215 ألف و322 جنيه قيمة 75% من أساس المرتب للعاملين بمرفق الإسعاف النمطي بواقع ثلاثة شهور بدون وجه حق.

 

– منح العاملين بهيئة الإسعاف المصرية مكافأة 300 جنيه لمدة ثلاث شهور بما يتعارض مع ما يتقاضاه العاملين شهريا بواقع 100% أجر إضافي وبدل “نوبتجيات” ونسبة 200% حافز تصرف مع المرتبات.

 

– أمر رئيس مرفق الإسعاف بصرف مكافأة لوكيل وزارة الصحة السابق بالفيوم أسوة بالموظفين بتاريخ 11 إبريل الماضي مبلغ وقدره 1559,47 جنيه وهذا ما يعد مخالفا لأحكام الكتاب الدوري رقم 53 لسنة 1989 الصادر من الإدارة المركزية لحسابات الحكومة بوزارة المالية في شأن إقرار المزايا المادية والعينية والتعويضية أو الحوافز والمكافآت والذي يقضي بأن ذلك من اختصاص السلطة الأعلى وفقا للتدرج الإداري في الدولة وفي حدود القوانين واللوائح.

 

– إثبات صرف مبلغ ألف و995 جنيه دون وجه حق لعادل عيسي، مهندس سيارات، بالمخالفة لرأي الإدارة المركزية للتشريع المالي بوزارة المالية في هذا الشأن.

 

– إرسال موتور إحدى سيارات الإسعاف لورش الصيانة الخارجية لإصلاحه لمدة تزيد على 18 شهر دون إعادته أو اتخاذ الضمانات اللازمة لذلك، الأمر الذي أدي إلى عدم الانتفاع بالسيارة والتي تبلغ قيمتها الدفترية 115 ألف جنيه.

 

– تبين وجود عجز سولار لسيارات الإسعاف النموذج المستخدم بمرفق الإسعاف وصل إلي 2015 لتر.

 

ممرضات ببعض الجنيهات

في هذا السياق، لا يمكن تصور أن طاقم التمريض في حال أفضل. تقول أميمة صلاح، ممرضة قسم النسا والتوليد بالمستشفي، إن المستشفي شهدت اعتصاماً سابقاً للممرضات بسبب خصم حوافز الـ50% من أصل المرتب، وتضيف أن يوم المناوبة كان بـ20 جنيه والمبيت بـ35، وأصبحت المناوبة بـ10 والمبيت بـ 15، وأنه بعد الخصومات تصل إليهن ثمانية جنيهات للمناوبة، وثلاثة عشر للمبيت.

 

توضح أميمة مدى التقصير الذي وصلت إليه الإدارة حيث تقول “مطلوب مني أتعقم قبل كل عملية أدخلها، وموفرين للقسم كله 15 قطعة صابون في الشهر بمعدل نصف قطعة في اليوم، إحنا ممكن نستقبل أكتر من 35 حالة ولادة في اليوم الواحد إزاي؟ هي نصف قطعة تكفي قسم بحاله؟”.

 

وتتهم ممرضة قسم النسا والتوليد إدارة المستشفي بأنها تعمل بالمحسوبية، مؤكدةً أن هناك أناس قادرين علي تحمل مصاريف المستشفيات الخارجية ولوجود معارف لهم في المستشفي، يأخذون حقوق أناس آخرين يستحقون العلاج فعلا. وتضيف “عند وجود حالة ولادة من الناس الغلابة في الليل ممن لا يتحملون تكاليف الولادة، يطلب منهم الحصول على إذن موقع من مدير المستشفي غير المتواجد أصلا لانشغاله بأعمال خارجية”.

 

تحكي زميلتها مروة أن الممرضة تخرج في يوم عمل عادي من منزلها في السابعة صباحا ولا تعود إلا بعد التاسعة مساء، تاركة أسرتها من أجل ثمان جنيهات. وتقول في غضب: “تعمل إيه الـ8 جنيه؟، مواصلات ولا غدا في المستشفي ولا أصرف بيها على البيت لو احتاج حاجة؟ أجيب منين مصاريف حضانة ابني والمستشفى مفيهاش.. لا وفي الآخر بيتخصملنا كمان”.

 

وتتحسر مروة على حالها مقارنة بممرضات مستشفي التأمين اللاتي يحصلن على 50 جنيه في اليوم عن المبيت، لكن توضح أنهن حُرِمن من الحوافز التي تصل إلى 50% واكتفت الإدارة بمنحهن نسبة حوافز 40% فقط لأنه “لا يوجد في الخزنة ما يكفي”.

 

وتتساءل الممرضات عن أوجه صرف أموال التذاكر المباعة لزائري المستشفى، قائلين: ” الفلوس دي كلها بتروح فين؟ ده المريض بيدخل بتذكرة واللي جاي زيارة برضو بتذكرة ومفروض إننا لينا جزء فيها”.

 

عاملات همجيات؟

أما عاملات المستشفي واللاتي يوصَفن داخل المستشفي بـ”الهمجية”، فحالتهن أسوأ من حالة الممرضات؛ بين مرتبات هزيلة، وتكاليف بالتنظيف وخدمة المرضي وتحمل عصبية الأطباء والخصومات من الإدارة، متهمين الإدارة بحرمانهن من حقهن في الحوافز. ويضفن “إحنا مش بنضرب ولا بنعض اللي بيعاملنا كويس بنعامله كويس إنما فيه أهالي مرضى مبيقدروش اللي بنعمله وانشغالنا بكذا حاجة، احنا عددنا قليل.. في كل قسم تلاقي واحدة أو اتنين شايلين كل حاجة فيه وياريت ده كله وفيه مقابل مادي, المرتبات زي عدمها”.

 

 

 

You must be logged in to post a comment Login