“الفرن البلدي”.. تتمسك به الأمهات.. والصغيرات يفضلن عليه “الغاز”

 

**خبيز “الفرن البلدي” تتوارثه نساء . و”الغاز” أساس جهاز بناتهن

سوهاج: شيماء دراز

الأقصر: أسماء أبو بكر الصادق

 

بناء دائري الشكل تعلوه قبة عالية لم يخلو منزل منها في سوهاج.. إنه الفرن البلدي القديم الذي يخبز فيه النساء الخبز بأنواعه من “الشمسي” حتى “الشامي” بالإضافة للفطائر والعجائن المختلفة.

 

كان الفرن يبنى بواسطة الطوب الأحمر، الذي تم حرقه ليتحمل درجات الحرارة العالية، وقرص أسمنتي باتساع الفرن به فتحة جانبية فيصبح دائرة غير مكتملة، لتسمح الفتحة لمرور الحرارة بين أعلى وأسفل القرص الأسمنتي، كما يتم عمل فتحات بجوانب الفرن وفتحة كبرى أعلاها لخروج الدخان أثناء الخبز ويتم غلق الفوهة العليا بعد انتهاء الخبيز وإطفاء الفرن، يلي عملية البناء طلاء الفرن بالطين أو “عجين التراب” وهو بخلط التراب الناعم بالماء وطمس الفرن به من كل اتجاه ثم تغطيته بطبقة من التبن، وهو المسحوق الناتج عن حصاد سيقان القمح ويستخدم كطعام للمواشي بالريف.

 

ويتكون الفرن من دورين الأسفل لوضع الوقود الذي يسمح بإشعال النار بالفرن ونضوج الطعام ويتكون من أوراق ومخلفات وحطب وبوص، وهو سيقان الذرة بعد تجفيفها، ثم إشعال النيران بالحطب لتنتقل الحرارة للطابق الثاني من الفرن، وهو سطح القرص الأسمنتي وعليه يوضع العيش والفطائر بعدما يتم تنظيفها بقطعة قماش مبللة أكثر من مرة، فيما يعرف بعملية إحماء الفرن للحفاظ على نظافة الفرن، واختبار مدى سخونتها.

 

بعد إشعال النيران وإحماء الفرن، يتم وضع الخبز به ليبدأ مرحلة نضوجه، ويتم تغيير موضعه مرة أو أكثر فيما يعرف بتقليب الخبز حتى يحصل على درجات حرارة مختلفة داخل الفرن ففوهة الفرن تختلف درجتها عن أوسطها وكذلك عن جانبها بجوار الفتحة التي تصل بين أعلى وأسفل الفرن لتستمر عملية نضج الخبز مابين ربع لثلث ساعة.

 

ونظرا لكثرة الأدخنة التي تنتج عن عملية الخبز داخل الفرن البلدي وكذلك مشقة استخدامها، فقد ظهر منذ أقل من عشر سنوات فرن الغاز أو الفرن الأنبوبة مثلما يطلق عليه ويتكون من معدن الحديد ومنه عدة أنواع ذو الرف الواحد وهو الأكثر انتشاراً أو ذو الدورين وقد ظهر حديثا.

 

وانتشر الفرن ذات الأسطوانة بقرى سوهاج ليتخلى الكثيرون عن الفرن التقليدية ويحل الفرن الغاز بدلا منه لسهولة استخدامه، فلا يخلُ جهاز عروس منه الآن حتى أصبح من الضروريات، فلا يحتاج سوى لتشغيل أسطوانة الغاز بها، ولكنه لا يسع سوى من 12 إلى 15 رغيف خبز ولا يستغرق سوى عشر دقائق أو ربع ساعة لنضج الخبز، بينما كان يسع الفرن البلدي من 30 وحتى 35 رغيفاً، ثم ظهر الفرن الكهربائي الذي يعمل بالطاقة الكهربائية ولكنه صغير الحجم فلا يسع سوى من 4 إلى 6 أرغفة مما يجعله نافع فقط في إعداد الحلويات ولا يصلح لإعداد الخبز.

 

وللفرن أدوات تستخدم معه أثناء الخبز مثل”العجانة” التي يعجن بها الخبز و”الدوارة” التي توضع فوقها “الردة’’ وبعدها رغيف الخبز، وكذلك “الجرار” الذي يستخدم في توزيع العيش بالفرن أثناء التحمير وأيضا في خروج الخبز من الفرن، بالإضافة إلى “المقطاف” الذي يوضع فوقه الخبز بعد خروجه مباشرة من الفرن، ويستخدم”الدهس’’ أي التبن والبرسيم أو مأكولات الجاموس، والذي يسمى بـ”الوقيد’’، في عملية إشعال الفرن، وتحمير الخبز.

 

أما طريقة عمل الدوار فعن طريق جمع قدر كبير من ورق الكتب القديمة وورق الجرائد وورق طباقة البيض، وخلطها بالماء، بداخل إناء عميق، ثم تركها من 4 إلى 5 ليال، يتم عجنهم حتى يمتص الورق الماء، ويصبح مثل العجين، وفي اليوم الأخير يوضع فوقه قليل من الدقيق حتى يتماسك الورق مع بعضه، أو عن طريق إحضار “طوق” عبارة عن قطعة من الحديد دائرية الشكل، يسكب فوقها “العجين”أو الورق المذاب في الماء، ثم يضغط عليه حتى يتماسك مع بعضه، ويصبح دائرياً ثم ينزع الطوق عنه، ويتم تكرار ذلك على حسب أعداد الدوار، ثم يترك في الشمس لمده 7 أيام حتى يجف، وفي اليوم الثالث يكون جف الجزء الخارجي، ثم يتم قلبها لكي يجف الجزء الأخير، ويمكن منها صنع “طبق كبير”، والذي يضع فوقه الخبز بعد خروجه من الفرن، حتى يبرد.

 

أيهم يفضل النساء؟

وعن مستقبل الفرن البلدي قالت رحمة محمد ربة منزل في سوهاج أن الفرن “الأنبوبة” سهل الأمر عليهن فالخبيز ينتهي بالظهيرة عكس الفرن البلدي الذي لا ينتهي الخبيز به قبل العصر، على الرغم من أن عيش الفرن البلدي “شارب نار” وأكثر نضوجاً، مشيرة إلى أنه بالرغم من وجود الفرن الأنبوبة لديها فإنها لم تستغني عن الفرن البلدي الذي يسعفها بالأفراح والمناسبات فتأخذ عيش كثير به وكذلك لا تعد الفول والسمك والعدس سوى به لأنه يعطي مذاقا خاصة للطعام عندما يتم نضجه بها فيما يعرف بالطواجن.

 

أما هبة فقالت إنه إرهاق دون فائدة والفرن الأنبوبة مريح جدا ونظيف فلا يحتاج لمجهود وكذلك لا يضرها بالدخان، فيما خالفتها (منى ع.) والتي ترفض دخول الفرن الأنبوبة منزلها قائلة أن الفرن البلدي رغم تعبه فخبزه جيد بينما فرن الأنبوبة تبقى رائحة الغاز بالخبز المعد بها، كما أن الفرن البلدي ينظف البيت خاصة لو به مواشي فهو يحرق المخلفات بها.

 

أما في الأقصر، فقالت فوزية عبد المعطى،67 سنة، ربة منزل، إنها لا تستغنى عن الفرن البلدي، على الرغم من كونه قديم، فهي تجده أفضل من الأفران الأخرى، لأنه يسوى الخبز من داخله وخارجه، عكس الأفران الأخرى لا تقوم بالتسوية الجيدة.

 

وأضافت الحاجة تفاحة يونس،76 سنة، أنها تعلمت طريقة عمل الدوار لأحفادها مثلما علمتها أمها لها، فالطريقة كانت تستخدم قديماً أثناء الخبز بالأفران القديمة المبنية من الطين والتي سميت بـ”الأفران المسلحة”، وما زالت تستخدم حتى بتوافر الأفران الجديدة، فلا يمكن الاستغناء عنها لمن تعود عليها.

 

وتتفق معظم النساء على أن الفرن الكهربائي لا يصلح سوى للحلويات أو أسرة مكونة من زوجين فقط في إشارة لأن معظم أسر الصعيد تقيم بمنزل العائلة.

 

 

 

You must be logged in to post a comment Login