‘‘الفركة القناوية’’ مهنة الستر التي سبقت التاريخ

قنا: أحمد الحداد

هي الملبس المُفضل للسودانيين، خاصة في مواسم الزواج والختان، وهي مصدر الرزق الوحيد لأحياء كاملة بمدينة من أقدم مدن العالم، عرفت الصناعة منذ قديم الأزل، وربطتها بدول العالم، واستمرت مدينة نقادة تبيع ‘‘الفركة’’ بكميات كبيرة لسنوات.

 

الفركة القناوية هي نوع من النسيج اليدوي، يُصنع من الكتان، ويُستخدم بحالته بعيدًا عن المراحل التقليدية للمنسوجات من تجهيز وخياطة، وتُصنع منها أشكال مختلفة من الأقمشة منها رداء للسيدات وشال يضعه الرجال على الكتف كنوع من الزينة. وهي صناعة يدوية قديمة جدًا تعود إلى عصر الفراعنة، حيث كانوا يفرضونها على المحكوم عليهم بالسجن أو الإعدام لمشقتها واضطرار الصانع للجلوس على النول لساعات طويلة، ويسميها أصحابها صناعة الستر لأنها تستر ولا تغني، وتتميز بأنها صناعة عائلية تمارسها الأسرة بجميع أفرادها في المنزل الريفي.

 

يستخدم الكتان، الذي كان يستخدمه المصري القديم في الأكفان، في صناعتها، وتعتبر مدينة نقادة جنوب محافظة قنا، هي رائدة صناعة الفركة في العالم، واشتهرت بتصديرها إلى السودان، حيث تعتبر الفركة الزيّ المفضل لأهلها، ويتشحون بها كنوع من التبارك، وزاد من ذلك وجود جالية بالسودان انحدرت من نقادة.

 

بشرى فـرح توفيق، خبير سياحي، أرجع تاريخ الفركة بمدينة نقادة إلى العصر الفرعوني، حيث كانت تصنع أكفان الموتى وملابس الكهنة باستخدام نول الحفرة، الذي تميزت به مدينة نقادة دون باقي مدن مصر، حيث اكتُشِف ذلك أثناء التنقيب الأثري عام 1907، عندما وجِدت حجرة أعدت للنسيج بنول الحفرة المستخدم حاليًا.

 

استمرت صناعة النسيج في نقادة حتى العصور القبطية والرومانية، حيث كان النساجين بالمدينة يصنعون ملابس القساوسة، لكن مع الوقت انفرد النساج النقادي بنوع واحد من المنتج النسيجي ‘‘القنبر’’، الذي كان إلى عهد قريب يُصدّر إلى السودان، والمعروف بـ‘‘الفركة السوداني’’، ويُصنّع من القطن والحرير. وتعد نقادة واحدة من أربع مدن مصرية عاش فيها المصري القديم، كما وصفها علماء الأنثروبيولوجي.

 

وأوضح عاطف زكي، خبير أثري، أن نقادة مدينة لها حضارة قبل عصر التاريخ، تُدرّس في الجامعات المصرية والعالمية، حيث نُسبت لها حضارة ما قبل الأسرات (مرحلة العمرة ـ مرحلة جرزة)،حيث أن الكثير من المتاحف العالمية والمحلية بها حضارة نقادة، مثل متحف اللوفر بفرنسا، والمتحف البريطاني، ومتحف المتروبوليتان بأمريكا، والمتحف المصري بالقاهرة، ومتحف النوبة بأسوان، كما توجد بها كنيسة الصليب، وهي ثاني كنيسة بالعالم بعد كنيسة بيت لحم بفلسطين.

 

عرفت نقادة صناعة الفركة منذ قديم الزمن، تلك الصناعة التي ربطتها بدول العالم، وتحديداً دول السودان والصومال وأثيوبيا وغيرها من الدول الأفريقية والأوربية، واستمرت هذه الصناعة سنوات طويلة كانت تباع خلالها الفركة بكميات، نتيجة الاتفاقيات التصديرية بين مصر والسودان، حيث وصلت التجارة إلى أقصاها خلال الفترة ما بين 1984 إلى 1987، أي بما يعادل 4 مليون دولار سنوياً، لكن بعد تدهور العلاقات الاقتصادية في 1988، أثر هذا سلبياً على الحالة الاقتصادية لمدينة نقادة.

 

تأثر بذلك ما لا يقل عن 4 آلاف أسرة تعمل بهذه الحرفة، حيث لا يوجد مصدر دخل آخر لهؤلاء الأسر، لذلك تحول بعض النساجون من تلك الصناعة إلى منتج آخر يمكنهم تسويقه في المناطق السياحية في أسوان والأقصر والغردقة وشرم الشيخ والقاهرة، مثل الكليم الصوف، والحزام الصوف، والشال، باستخدام نفس النول، حيث أصبح يباع بوفرة في خان الخليلي والبازارات السياحية، ويستخدمه مصممي الأزياء في صناعة الملابس التاريخية، كما عُرِض في فيلم المصير للمخرج الراحل يوسف شاهين.

 

بالنسبة لأصحاب المشاغل والنساجون، فهم يعرفون جيدًا مدى أهمية صناعتهم، حيث قال بشاري رمزي، صاحب مشغل، إن نقادة تشتهر بصناعة الفركة منذ القدم، ولذلك يحرص كل جيل على تسليمها للجيل الذي يليه، وأهم من ينتظرون هذا المنتج ويشترونه بكل تأكيد، هم أهل السودان، لدرجة أن المرأة السودانية من المستحيل أن تلد قبل أن تُجهز الفركة للف المولود فيها فور الولادة، وأن ترتدي واحدة كنوع من أنواع الاحتفال بالمناسبة السعيدة.

 

حوالي 40 ألف سيدة تعمل بصناعة الفركة بمدينة نقادة، وهو ما أكدته ميمي عزت رمزي، نساجة، فقالت إن ذلك ساعد على انتشار تلك الصناعة بين السيدات في ظل التقاليد الاجتماعية، حيث لم يكن يُسمح بخروج المرأة للعمل، الأمر الذي دفع الأمهات لتعليم بناتهن الفركة كوسيلة للعمل المضمون داخل المنزل.

 

وأكدت حكمت كندس، نساجة، أن هذه الصناعة تناسب المرأة أكثر من الرجل، لأنها تتطلب الصبر والدقة، خاصة في تشكيل الألوان، وهو الأمر الذي يتناسب مع المرأة أكثر، وأشارت إلى أنها تعمل بهذه الحرفة منذ أن كان عمرها 12 عاماً، وأنها حريصة على تعليمها لبناتها.

 

وداد صامويل، صاحبة مشغل، أوضحت أن صناعة الفركة تمر بأكثر من مرحلة؛ الأولى هي شراء خيط الحرير الصناعي الأبيض وتلوينه حسب الطلب بالأصباغ المختلفة، والثانية هي لف الخيط وشده على النول تمهيداً لعملية النسيج، ثم صبغ الخيوط في ‘‘عجانية’’ من الألومونيوم، ويصبغ فيها 10 كيلو في المرة الواحدة، ثم مرحلة لف الخيوط، ثم تمر الصناعة بعدة مراحل، وتأتى المرحلة الأخيرة وهي التصنيع بالمكوك على النول. ومن العجيب أن المكوك به ريشة حمام صغيرة لا يتم العمل إلا بوجودها، ثم بعد ذلك يعرض الإنتاج للجماهير.

 

وأضافت أن النول يشتمل على عدد 4 مكوك أو أقل، وهو الجزء الذي يحدد الشكل، حسب الطلب والرغبة في إدخال أشكال جديدة، وتتطلب عملية شد النول دقة متناهية وصبرًا طويلًا، حيث يقوم بهذه العملية أكثر من شخص وقد تستغرق من ثلاث إلى أربعة أيام، تبدأ بعدها عملية نسج الفركة التي تستغرق يوماً واحداً على الأكثر .

 

وطبقا لإحصائيات مجلس مدينة نقادة وإحدى الجمعيات الأهلية المهتمة بهذه الصناعة، يبلغ عدد الأسر المشتغلة بالفركة 600 أسرة بنقادة، وتوفر حوالي 3000 فرصة عمل معظمهم من السيدات وكبار السن، وبذلك تعد صناعة الفركة الصناعة الأولى بالمدينة.

 

You must be logged in to post a comment Login