العقاد.. مشوار أدبي تفوق فيه التعلُم على التعليم

عباس محمود العقاد

عباس محمود العقاد

**لم يكمل دراسته بعد الابتدائية وتكفل والده بتعليمه وأنشأه على حب القراءة والإطلاع

 

المندرة: سارة سعيد

تنبأ له الإمام محمد عبده بمستقبل متميز ووضع ذو قيمة، حيث قال بعدما اطلع على كراسته في المرحلة الابتدائية إنه سيصبح كاتبا كبيرا. وضع عباس العقاد تلك الكلمات نصب عينيه، ففضلا عن رأي الإمام محمد عبده به، كان مغرما منذ الصغر بالقراءة والإطلاع على جميع الفنون مما أهله أن يصبح كاتبا قبل أن يبلغ العاشرة من عمره. ساعده والده في مشواره كثيرا وكان شغفه بالتعلم أكبر من التعليم، فأنشأ لنفسه الطريق الذي فضل أن يسلكه مما جعله يتفوق على أصحاب الشهادات والرسائل العلمية.

 

تحل اليوم الذكرى الخمسين لوفاته، حيث توفى في 12 مارس 1964 بعد رحلة أدبية استمرت خمسة وسبعين عاما. وُلد عباس محمود العقاد في أسوان في 28 يونيو 1889 لأب يعمل موظفا بوزارة المحفوظات، ورغم ضيق رزق الوالد استطاع أن يدبر شئون أسرته، فألحق ولده بإحدى المدارس الابتدائية حتى انتهى منها في 1903 ولم يكمل دراسته بعد ذلك لعدم توفر مدارس بأسوان. اهتم والده كثيرا بتثقيفه فأثناء دراسته حرص على تعليمه بنفسه بجانب مواده الدراسية إضافة إلى تصفح كثير من الصحف والمجلات والكُتب.

 

أثناء دراسته بالمرحلة الابتدائية، زار الإمام محمد عبده المدرسة لكي يطمئن على أحوال التلاميذ، ويستكشف مستواهم الدراسي فبعدما رأى كراسة عباس العقاد قال لمدرس اللغة العربية ‘‘ما أجدر هذا الفتى أن يكون كاتباً بعد’’. كانت لتلك الكلمات أثرها الكبير في نفسه، فبجانب حبه للقراءة والإطلاع ساعدته كلمات الإمام محمد عبده لكي يحدد اتجاه سيره. وضع هدف الكتابة نصب عينيه، وعلى الرغم من عدم إكماله دراسته وعدم تطلعه للحصول على الشهادات والتقديرات العليا، فقد استطاع أن يحصد ما لم يحصده أوائل المدارس.

 

شغف العقاد بالقراءة جعله ينفق أمواله على شراء الكتب والمجلات، ليس ذلك فقط، بل أدرك أن للغة الإنجليزية أهمية كبرى، فبالإضافة إلى أن تعلمها نوع من أنواع الثقافة والإلمام باللغات المختلفة، إلا إنها ستمكنه من قراءة الأدب الإنجليزي والفنون. اتسعت ثقافته العربية والإنجليزية قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، فقال لنفسه ذات يوم ‘‘عرفت قبل أن أبلغ العاشرة أني أجيد الكتابة وأرغب فيها، ولم ينقطع عني هذا الشعور بعد ذلك إلى أن عملت بها واتخذتها عملا دائما مدى الحياة’’.

 

بعدما أتم تعليمه الابتدائي عمل موظفا في وظيفة كتابية بقنا عام 1905، لكنه لم يجد نفسه بها ومل العمل الروتيني، فانتقل بعدها للعمل بمصلحة البرق في 1906، وواجهته نفس المشكلات. قرر حينها أن يتجه إلى القاهرة بحثا عن عمل، لكنه لم ينل من تلك المدينة إلا تقوية علاقته بالأدب والفن، ووجد أن وقته لن يتسع لوظيفة فترك الفكرة، وانتقل للعمل بالصحافة مُستغلا سعة إطلاعه وثقافته العالية.

 

بدايته الصحفية جاءت عام 1907 بتحرير ‘‘مجلة البيان’’، بالاشتراك مع المؤرخ محمد فريد وجدي، وساعدته تلك المجلة في التعرف على سعد باشا زغلول فأصبح يؤمن بمبادئه. توقفت المجلة في 1916 بعدما كانت تمثل مصدر رزقه الوحيد، لم يجد أمامه حينها سوى البحث عن عمل جديد يستطع من خلاله توفير قوت يومه، واضطرته الظروف أن يعمل مع صديقه إبراهيم المازني بالتدريس في المدرسة الإعدادية الثانوية بميدان الظاهر، كما أعطى دروسا للتلاميذ.

 

رغم أن بداية عام 1916 لم تكن موفقة له في المجال الصحفي، لكن كانت تحمل له المفاجآت السارة في نصفها الآخر، حيث ظهرت الطبعة الأولى من ديوانه الأول الذي بدأه من 1914 ونشرت أشعاره في شتى الصحف والمجلات. اعتمد في دواوينه الأولى على البيئة المصرية مصدرا للإلهام، وصدرت له بعد ذلك دواوين حي الأربعين، هدية الكروان، وعابر سبيل. ذاعت شهرته في تلك الأيام وأصبح يرسل مقالاته إلى مجلة ‘‘الفصول’’، كما ترجم لها بعض الموضوعات، واستمر في مشواره الأدبي رغم ظروفه المادية الصعبة.

 

لم تتوقف مسيرته الشعرية عند إصدار الدواوين فقط، بل أسس مدرسة جديدة في الشعر مع المازني وعبد الرحمن شكري، وكان اسمها ‘‘مدرسة الديوان’’ وهدفت إلى الخروج عن القالب التقليدي. رفض العقاد الحصول على جائزة الدولة التقديرية في الآداب التي كان سيمنحها له الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكذلك رفض الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة. وفضل أن يستمر في مسيرته التي طمح إليها من صغره إلى أن توفى في مثل هذا اليوم.

 

له العديد من المؤلفات من أهمها، الخلاصة اليومية، الشذور والإنسان الثاني، ساعات بين الكتب، الفصول، هتلر في الميزان، النازية والأديان. واتجه في كتاباته إلى السير الذاتية فكتب عبقرية محمد، عبقرية عمر، سعد زغلول. وعن دواوينه الشعرية من أبرزها العقاد، وحي الأربعين، أعاصير مغرب، وهج الظهيرة، أشباح الأصيل، أشجان الليل، هدية الكروان، عابر سبيل. وضع العقاد أيضا بصمته في المجال الفلسفي فكتب، الله، الفلسفة القرآنية، إبليس. نُشر له وفاته، حياة قلم، رجال عرفتهم، أنا (وكانت سيرة ذاتية عن حياته).

 

من أشهر مقولات عباس العقاد:

 

‘‘لا يكفي أن تكون في النور لكي ترى، بل ينبغي أن يكون في النور ما تراه’’ 

‘‘يقول لك المرشدون : اقرأ ما ينفعك، ولكني أقول: بل انتفع بما تقرأ’’

‘‘كن شريفا أمينا، لا لأن الناس يستحقون الشرف والأمانة، بل لأنك أنت لا تستحق الضعة والخيانة’’

‘‘ليس الحاسد هو الذي يطمع أن يساويك بأن يرقى إليك, بل هو الذي يريد أن تساويه بأن تنزل إليه’’

 

شاهد: إزاحة الستار عن تمثال “العقاد” في أسوان في ذكراه الخمسين

You must be logged in to post a comment Login