الصعيد.. منبع فن المدح في النبي وآل البيت

 

 

 

المندرة: سارة سعيد
منذ زمن بعيد ويتميز باحتكاره لكثير من الأشياء بعضها عادات وتقاليد تربى ونشأ عليها أهله من قديم الأزل متخذين منها شعار “سلو بلدنا”، فعندما تتعامل مع تتعامل معه كدولة داخل الدولة، لها ما يميزها من القواعد والأنظمة ومن ضمن تلك الأنظمة “فن المدح” وهو الفن المتوارث هناك أبا عن جد، حيث يحفظه الابن من والده ويتغنى به ثم يورثه لولده فيما بعد ومن هنا جاء احتكار لأشهر مداحي مصر وأعظمهم، فكل شيخ لا بد أن يصعد من تحت يده تلميذ نجيب، يحفظ ويضيف فيصبح له أسلوبه الخاص الذي يميزه عن غيره.

 

يعد فن المدح أحد أنوع أدب الخطابة، يعتمد بشكل أساسي على الشعر الذي يمدح ويبجل الأشخاص والأماكن والأشياء. وفي الصعيد اختص فن المديح لله والنبي وآل البيت، ويتغنوا به في أيام كثيرة خاصة في المناسبات الدينية كالمولد النبوي الشريف، وليالي رمضان، وذكرى ميلاد آل البيت وأولياء الله الصالحين، فيحضر المداحون وينشدون أبياتا في حب الله والنبي ويهيموا في الملكوت. تزامن انطلاق أسلوب المديح في مصر مع انطلاق التصوف، واختلف البعض إذا بدأ في عصر الأيوبيين أو عصر الفاطميين.

 

أحمد التوني.. ساقي الأرواح
في قرية الحواتكة بأسيوط وُلد أحمد التوني في عشرنيات القرن الماضي، وبدأت رحلته في الإنشاد منذ كان طفلا بالكُتاب، حيث كان يتركه ويذهب للسهرات الصوفية، يحفظ كلماتهم ويقلد حركاتهم ويتمايل على نغماتهم. أصبح خلال أعوام قليلة رائدًا في فن المدح وأشهر منشدي الصعيد للأذكار الصوفية، اشتهر بالكوب الزجاجي والمسبحة، التي أحدثت له صوتًا مميزًا فهرب من الألحان من خلالهما. عاش التوني وهو يعتقد أن التصوف يصلح لكل الأديان ليس للمسلمين فقط، فغنى للسيدة مريم العذراء والمسيح. تعددت ألقابه واشتهر بـ ‘‘ساقي الأرواح’’ و‘‘سلطان المنشدين’’, و‘‘بلبل الصعيد’’، ورحل في شهر مارس الماضي عن عمر يناهز التسعين بعدما ورث فنه لكثير من التلاميذ ولعل أبرزهم الشيخ ياسين التهامي.

 

ياسين التهامى.. شيخ المداحين
بالمكان نفسه الذي صعد منه التوني، وُلد الشيخ ياسين التهامي عام 1948، وكأن الحواتكة أصبحت قبلة لميلاد مداحين آل البيت، كانت نشأة التهامي لها تأثير على اختياره لطريق التصوف والمدح، فقد تربى في بيت لم يخلو من ذكر الله وسط عائلة متدينة، وتلقى تعليمه بالمعاهد الأزهرية، كان والده كثيرا ما يقيم حلقات الذكر والإنشاد بالبيت مما جذبه لهذا الطريق، فقرأ أشعار المتصوفة وتعلم من شيوخه حتى أصبح لها مكانته وسط المداحين منذ أكثر من ثلاثين عاما واشتهر بـ ‘‘شيخ المداحين’’.

 

أحمد برين.. مدرسة مداحي الجنوب
إصابته في إحدى عينيه كانت سببًا في إلتزامه بالصعيد وعدم الخروج منه للبحث عن الشهرة، فكان منشدًا للغلابة في القرى والنجوع واكتفى بهم جمهورًا له، وُلد برين في إسنا بالأقصر عام 1944، وحصل على بكالوريوس أصول الدين من جامعة الأزهر، غنى مواويل المديح بشكل شعبي وغنى الموال الشعبي، فاعتمد في أسلوبه دائمًا على مزج مدح الرسول (ص) بالحديث عن الدنيا ومواعظ للحياة. حفظ برين في طفولته الإنشاد الديني القبطي ومدح كل الأنبياء وكان الأقباط يطلبونه بالاسم لإقامة الليالي في المناسبات القبطية.

 

عبد النبي الرنان.. المداح بالكف
‘‘الكف الصعيدي’’ كان وسيلته في تلحين مدحه، فعن طريق التصفيق بشكل معين بالكف، تصدر موسيقى اتخذ منها لحنًا لمدحه واشتهر بها، تعلم ‘‘الرنان’’ تلك الطريقة من عبد العال محمدين، والده، الذي كان أشهر نجوم فن الكف الصعيدي. وُلد عام 1950 بقرية الدير بقنا، ولُقب بـ ‘‘الرنان’’ بسبب رنين صوته بليالي المدح، استعان بعد ذلك بالطبلة كآلة موسيقية وارتبط بها فلم يتركها في أي ليلة مدح حتى توفى في عام 2009.

 

محمد العجوز.. أمير المداحين
تتلمذ على يد خاله الشيخ أحمد برين، فهو الذي ساعده على دخول المجال والإبداع فيه، وُلد العجوز في أسوان عام 1955 وحفظ القرآن الكريم والمدائح النبوية المشرفة وتلاها في المناسبات والموالد، وبدأ يتتلمذ على يد خاله فانفتحت أمامه كل الطرق، انضم لفرقة برين وتعلم منه ‘‘التخمير الديني’’ وهو لون من الغناء به كثير من الإشارات والرموز الصوفية في صورتها الشعبية، وبعدها استقل وغنى المديح وذاع صيطه فسافر وقدم الحفلات في روما وباريس وأمستردام ولندن وأمريكا، وحصل على العديد من الأنوطة والنياشين والجوائز، حتى توفى في حادث سيارة عام 2010.
وبخلاف هؤلاء، هناك العديد من مداحي الصعيد كالشيخ أحمد حسّونة والشيخ الشبيطي والشيخ مرزوق، والشيخ القبيصي، لكنهم أقل شهرة من التهامي، والتوني، فالصعيد مليء بالمداحين العظام.

You must be logged in to post a comment Login