الصعيد المغضوب عليه

أشرف محمود

أشرف محمود

بقلم: أشرف محمود – المصدر: جريدة الأهرام

**المقالات المنشورة تعبر عن رأي صاحبها فقط ولا تعبر عن رأي بوابة المندرة.

كأن أهل الصعيد جبلوا على التحمل الذي يفوق طاقة البشر، عام كامل من المعاناة عاشوها ولا أحد يشعر بهم أو يتدخل لحل أزمتهم، وإعادة الوضع إلى ما كان عليه رغم أنه لم يكن في أفضل حال.

 

أهلنا في الصعيد يتألمون في صمت، يعانون من القسوة في أمور عدة لكنهم صامدون صابرون، على أمل أن يرق قلب الحكومة لحالهم ويعمل على مساعدتهم، فالمأساة أكبر من أن توصف في كلمات، وتحتاج إلى إنصات وعمل حكومي لحلها بعيدا عن الشعارات، لأنها زادت عن كل حد ممكن ولم يعد في قوس الصبر منزع.

 

عام كامل وأهلنا في الصعيد يعانون من تراجع مستوى خدمات السكك الحديدية من المقبول إلى (الحضيض) فبعدما كانت وسيلتهم الأولى والأكثر أمنا في التنقل بين المحافظات المتعددة على طول نحو ألف كيلو مترا، أو الوصول إلى القاهرة لقضاء الحاجيات من أوراق رسمية ومعاملات أدارية وكذلك للعلاج، إذ توقفت عجلات القطار عن الدوران فترة ليست بالقليلة ثم عادت فاستبشر الصعايدة خيرا بعودتها، لكنها عادت أسوأ مما كانت عليه.

 

ومن العجيب أن الهيئة الموقرة لم تستغل فترة التوقف في صيانة القضبان وتأمين “المزلقانات” وإصلاح “الجرارات” وعربات القطارات والمقاعد المتهالكة ودورات المياه غير الصالحة للاستخدام الآدمي، ما اضطر أهل الصعيد إلى اللجوء إلى الطرق البرية فلم يجدوا فيها آمنا ولا راحة ولا خدمات، ويكفى القول أن أزمة البنزين كانت ولا تزال مستفحلة على طرق الصعيد الثلاثة الزراعي والشرقي والغربي.

 

ناهيك عن قلة عدد محطات البنزين ، واذا ما وصلت إلى إحداها تستقبلك لافتة كبيرة (لا يوجد بنزين) فتصاب باليأس وينتابك الارتباك ويسيطر عليك القلق، لتبدأ في طلب الغوث من أصدقائك في اقرب محافظة إلى موقعك لينجدوك، ناهيك عن مغامرة السير على طرق تسجل أعلى رقم من حوادث السير، ونظرة واحدة على صفحات الحوادث في أي يوم يؤكد المأساة فعدد شهداء “الأسفلت” ممن راحوا ضحية سوء الطرق أو جنون السرعة أو ما شابه من أخطاء يفوق ما يسقط في معارك حربية، رغم أن الضحايا أبرياء لا ذنب لهم ولا جريرة إلا أنهم من أبناء الصعيد الذين لا تعيرهم الحكومة اهتماما ولا تسمع لهم صوتا مثلما تصغي آذانها لصوت المتنطعين الذين يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لمجرد سجن ناشط خالف القانون وتحدى هيبة الدولة، فالصعيد بالنسبة للحكومة والأحزاب والنشطاء – جميعهم على السواء- هو الإقليم الذي يوضع اسمه في الخطب الرنانة للمسئولين قبل أي استحقاق انتخابي أو ضمن شعارات براقة لمن يبحثون عن التنظير عبر الشاشات.

 

إن السفر إلى الصعيد خلال الشهور الماضية وحتى الآن أشبه برحلة إلى العذاب، فأسعار تذاكر الطيران تفوق إمكانات غالبية الصعايدة الذين هم بالأساس من المحسوبين على قائمة البسطاء من أبناء هذا الوطن، فضلا عن قلة عدد المطارات بعد غلق مطار أسيوط لمدة عام كامل بداعي الصيانة ما أربك حسابات العائدين من الخارج من أبناء المنيا وأسيوط والوادي الجديد، لقضاء أجازاتهم الصيفية بين عائلاتهم، ولم يتبق أمامهم سوى العودة عبر مطاري القاهرة أو سوهاج مثلا، ما يضطرهم إلى أن يسلكوا الطرق البرية المتكدسة أصلا، أما الصعايدة المقيمون في القاهرة أو الأسكندرية ومدن القناة، فإن العذاب بانتظارهم إذا قرروا السفر بالقطارات لزيارة ذويهم، لأن معاناتهم تبدأ من البحث عن مقعد في أي قطار وفي أي يوم أو وقت، فالمتاح من قطارات تقلص إلى الربع مما كان موجودا في الخدمة قبل عام، وتقلص معه عدد العربات.

 

وبات المتاح من مقاعد لا يلبي احتياجات الناس، ما اضطر معه عدد كبير من ركوب القطارات من دون تذاكر، وهو أمر تنتج عنه مشكلات عدة أولها مع (الكمساري) الذي يريد أن ينفذ واجبات عمله كما ينبغي، فيدخل في خلافات ومفاوضات تصل إلى حد التشاجر مع عدد كبير من الركاب ممن يتذمرون من ارتفاع تكلفة التذاكر أصلا فضلا عن الغرامة للركوب من دون تذكرة، ثم مع من يجلسون في طرقات عربات الدرجة الأولى لأنهم لم يجدوا موطئ قدم لهم في الدرجة الثانية ويئنون من ارتفاع الأسعار، ويرفضون العودة إلى عربات الدرجة الأدنى، فمنهم كبار السن وسيدات ومرضى ومجندون وطلاب جامعات ومن يعملون في المهن الحرة بالقاهرة وبالكاد يحصلون على قوت يومهم .

 

السفر إلى الصعيد قطعة من العذاب بكل صنوفه، والصمت الحكومي تجاهه ينذر باستمراره وهو أمر مرفوض ويحتاج لصحوة ضمير يرق لحال البشر من بسطاء الوطن، فالشهر الكريم يظلنا وهو شهر للتراحم والتواصل العائلي، ومعه تزيد حركة التنقلات بين القاهرة والصعيد فهل تعي الحكومة هذا الأمر وتضعه في صدارة اهتماماتها، وتعيد تسيير القطارات بالعدد المناسب لكثافة حركة التنقلات مع تحسين خدماتها لترسم البسمة على شفاه أهل الصعيد، هذا ما نتمناه وننتظره.

You must be logged in to post a comment Login