الصعيد الذي لا نعرفه

هدير حسن

هدير حسن

 

المندرة: هدير حسن

أناس بجلابيب يتحدثون العربية بلهجة جنوبية، نساؤهم لا يزورون الشارع إلا قليلًا، ويعيشون في بيوت ريفية، حصلوا على قدر ضئيل من التعليم، مجتمعهم مغلق، ومتحفظ.. تلك جملة الاعتقادات السائدة عن حياة أهل الجنوب، وهكذا يرى ناس القاهرة وما حولها، طبيعة مجتمع الصعيد.

 

نظرة قد تكون مكتسبة من الدراما والتلفزيون، وقد تكون مركزية الدولة، واختصار حياة أهلها في سكان العاصمة سبب في شعور القاهريين بأنهم الأفضل، وأن من هم غيرهم من أبناء محافظات مصر الآخرى، وخاصة الصعيد، ليسوا على نفس المستوى من التعليم، أو الثقافة، أو الاطلاع.

 

زيارة واحدة لهذا الجنوب المهمش قادرة على تحطيم هذه الصورة، وزيارتي لأسيوط، كانت كذلك، فالصعيد، الذي لم ازره من قبل، كانت معلوماتي عن ناسه وطريقة الحياة فيه مكتسبة من التلفزيون والسينما، والتعاملات القليلة مع بعضٍ من أهله، وكانت الصورة القائمة بذهني عن جنوب مصر تتلخص في قهر الرجال للمرأة، وعدم قدرة البنات على الخروج للتعليم، أو للتنزه، والحياة هناك يغلب عليها الطابع الريفي، وكان الصعيد مجموعة من القرى لا تعرف للمدينة سبيل.

 

تصور شكل الحياة في مكان مختلف أمر كثيرًا ما نلجأ إليه لبعدنا عن هذا المكان وعدم قدرتنا على الوصول إلى الصورة الصحيحة والحقيقية له، ولهذا تكونت صورتي “الحمقاء”، عن مجتمع وجدت فيه البنات يسرن في الشارع بحرية وطلاقة، ملابسهم عادية، بعضها محافظ، والبعض الآخر ضيق ومفعم بالألوان، وليس هناك زيًا محظورًا، فالكل، وفق ما رأيت، يلبسون ما يريدون، الحياة في المدينة تشبه مثيلتها في القاهرة الكبرى، حياة مليئة بالحركة والناس، ولكن بطريقة أهدأ.

 

ما تخيلته عن الصعيد، كان بالنسبة لآخرين أمرًا واقعًا، وبالنسبة لأهل الجنوب شعورًا مريرًا، فمجرد أن يعرف أحدهم أنك من الصعيد يبدأ بمجموعة من الأسئلة “السخيفة”، من نوعية، هل لديكم تلفزيون؟، هل لديكم كهرباء؟، هل أنت متعلم؟، ومن يعتقد أن بنات الصعيد “جواري”، على حد وصف البعض، ولا يملكون من أمرهم شيئًا، ويتحدث آخرون بيقين عن تعصب “الصعايدة”، وعدم تقبلهم للآخرين.

 

كافة هذه الصور تثبت أننا لا نعلم عن أمر بلادنا، وغير مستعدين للتحليق خارج حدود حينا الصغير لا مدينتنا، شخصيًا، شعوري بالأمان، في أسيوط، كأنثى، كان أعظم، فالسير في الشراع، ختى لوقت متأخر، لم يعرضني لمضايقات زتحرشات الرجال، كما هو الحال في القاهرة، لدرجة جعلتني أتتبع الأمر بجدية، ولاحظت أن بعض البنات ملابسهن ملفتة، من حيث الألوان وطريقة اللبس، مع التأكيد على حرية كل شخص في اختيار الملابس التي تناسبه، ولكني وجدتهن يسرن بحرية، ولم يتعرضن للتحرش سواء لفظيًا، أو جسديًا، وتخيلت كم الإهانة والمضايقات التي كانت ستلاقيها إحداهن، إذا سارت، هكذا، في أحد شوارع القاهرة.

 

الصعيد، هو سر حياة هذه البلاد، وأهله، هم سر صمودها، في الجنوب رأيت بنات عشرينيات يجاهدن لتحقيق الطموح وصناعة المستقبل الذي يليق بهن، الصعيد ليس القرى وفق، بل هو العمل والتغيير، هو شباب الجامعات المتقدين بالذكاء، هو القدرة على تحدي تهميش الجميع الدولة، والمسئولين والناس.

 

You must be logged in to post a comment Login