“الصعيدي”.. رجولة وشهامة ونخوة وجلد في أدب يحيى حقي

 

الصعيد

الصعيد

 
**ضيق الأرض وقلة الزرع وهجرة الرجال من أهم ملامح المجتمع الصعيدي

**المرأة حبيسة المنزل وتتمنى لو كفنت بملابس زفافها

**الأقباط في الصعيد ليسوا آخر بل هم أهل من دين آخر

 

المندرة: محمد النجار

الشخصية الصعيدية من الموضوعات التي استهوت العديد من الكتاب، ودفعتهم للكتابة عنها أمثال يحيى حقي، الذي كان يعمل معاون إدارة بالصعيد وكتب عنه وعن كل تفاصيله. وتعتبر الشخصية الصعيدية من القوميات في المجتمع المصري التي تهتم بها الدراسات الثقافية، وحاول حقي في دراسته وصف المجتمع الصعيدي بكل ملامحه، وخصائصه الجغرافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، التي تشكل معاً ما يُعرف بـ”شخصية الإقليم” و”الشخصية المنوالية” السائدة بين قاطنيه، كما أبرز الاهتمام الثابت المشترك فيما بين “الشخصيات الإقليمية” لاستخلاص ما يمكن اعتباره “شخصية قومية” أو”طابع قومي” أو “شخصية منوالية” تظهر أكثر من غيرها في أوساط شعب من الشعوب.

 

الصورة النمطية

واعتادت الثقافة الشعبية المصرية استخدام الصور النمطية المسبقة لوصف طبائع كل شخصية إقليمية أو محلية تنتمي لمنطقة جغرافية معينة؛ فالصعايدة لهم خصوصية في شخصيتهم المنوالية تختلف عن الدمايطة أو الشراقوة أو المنايفة أو البدوية السيناوية أو شخصية البدو القاطنين في الصحراء الغربية…إلخ. وعادة ما يركز أهالي الإقليم على ما يعتبرونه سمات ايجابية في شخصيتهم، بينما يركزون على تلك السلبية في شخصيات أهالي الأقاليم الأخرى، فالصور النمطية هي صورة متبادلة تتشكل كنتاج طبيعي لحالات الاستغراب أو الصدمة التي تصاحب تعامل أهالي مناطق وبيئات اجتماعية وثقافية متباينة، وهو أمر شائع ومتكرر عند كل الشعوب، بل إن السمة ذاتها، كالثأر في الصعيد مثلا، يتم تأويلها سلباً من قبل غير أهل الصعيد باعتبارها أحد أهم القيم المتخلفة التي يجب العمل على التخلص منها، بينما ينظر لها ايجابيا من قبل أهل الصعيد لدرجة أنها ترتقي لتحتل مكانة القيمة المركزية العليا، إلى جانب الانتماء للعائلة أو القبيلة، بحيث تقاس كل سمة أو قيمة أدنى منها، كقتل النفس مثلا، في ضوئها.

 

يحيى حقي

وتلجأ دراسة يحيى حقي الأدبية، التي نشرتها مجلة أحوال مصرية، في عددها الـ 51، الصادر في شتاء 2013، إلى مناهج التحليل الثقافي والاجتماعي للإبداع الأدبي كوسيلة للاقتراب من الثقافة الراسخة في مجتمعات صعيد مصر بهدف فهم ما يمكن تسميته بـ “الشخصية الصعيدية”، ويلاحظ أن الإبداع الأدبي قد قطع شوطا أبعد بكثير مما قطعه البحث الاجتماعي في هذا المجال، سواء لدى الأدباء المعاصرين أمثال إدوارد الخراط، وسلوى بكر، وعبد الوهاب الأسواني، وخالد إسماعيل، وخالد البري، وكمال قلته، وغبريال زكي… إلخ، ومن الجيل الأسبق من أمثال يحيى الطاهر عبد الله، أو يحيى حقي.

 

الصعيد في أدب حقي

وضعت الظروف حقي في أهم وظيفة إدارية في زمانه، وهي وظيفة “معاون الإدارة التي كانت تلقي على عاتقه أعباء كافة الوزارات، بداية من وزارة الداخلية (التحقيق في الجرائم، والخروج في الدوريات، والتفتيش على السلاح)، ومروراً بوزارة المالية (تحصيل الضرائب والحجز على المتخلفين، والإشراف على الصيارفة، والمساحين)، ووزارة الحربية (الإشراف على قوائم المجندين)، ووزارة الزراعة (الإشراف على الإحصائيات التي تطلب من العمد والمشايخ والصيارفة)، بالإضافة لوزارة العدل (التي كان يمثلها قانونا في المحاكم)… إلخ.

 

وعلى الرغم من أن المرحلة التي عايش فيها حقي مجتمع الصعيد واستوحى منها مذكراته وقصصه تعود لعدة عقود مضت (1927-1960) إلا أن الملفت للنظر والذي يحتاج إلى تفسير حقا هو الإحساس أنك تقرأ أحداثا وسلوكيات تبدو وكأنها تقع اليوم، مما يشير إلى قوة واستمرارية النظام الاجتماعي الثقافي في الصعيد.

 

ملامح المجتمع

يصف حقي قرى ومراكز الصعيد بـ “ضيق الأرض وقلة الزرع، حيث تتخطف الهجرة رجالها وشبابها إلى القاهرة والإسكندرية، فترك الأب أبناءه وزجه، والابن أمه وأباه، والعاشق حبيبته طلبا للقمة العيش. أما أغانيهم فتمجد قيم الدفاع عن العرض، والأخذ بالثأر، معظم بلاد الصعيد محرومة من الماء والنور، حياة خشنة صارمة، مجردة من الزينة، الليل في الصعيد كان له يد سوداء تغلق الأبواب عند غروب الشمس على الإنسان والحيوان”.

 

أما السمة الاجتماعية الأولى التي تصادفنا في الصعيد فهي الفوارق الطبقية الحادة فيه، حيث يصف حقي قرية “كوم النخيل”، التي تجري فيه أحداث قصته “البوسطجي”، بأنها رغم غناها واتساعها لا تمتلك سوى أقل من عشر زمامها، والباقي وقف لسلالة من الشركس.

 

ويقول حقي عن المجتمع الصعيدي إنه تقليدي تحكمه قواعد الأبوي، حيث ينشأ الأبناء على أنه لا صوت يعلو فوق صوت الكبير (كبير المنزل، أو الأسرة، أو البيت، أو العائلة).

 

ويحذر حقي من تضخيم الشائعات عن جرائم القتل والثأر والشرف في الصعيد لدرجة رسم صورة نمطية مبالغ فيها، إلا أنه يؤكد في الوقت ذاته أن هذه الصورة ليست دون أساس من الواقع، لدرجة أنه يجعل العنف الملمح لأكثر بروزاً في هذا المجتمع.

 

الشخصية الصعيدية

يصف حقي ملامح النمط العام الشائع ( الشخصية المنوالية) للصعيدي بأنه تعبير عن “رجولة وشهامة ونخوة وجلد على تناول الحياة حلوها ومرها، كما تلقاهم ويلقونها، لا يفسد تمتعهم بها ابتلاء بالتهيب، والشكوى والملل وفراغة العين، والبحث في ملك اليد عما ورائه، ما سمعت منهم شكاية ولا أحسست بهذا النزاع الخبيث المستتر في النفوس الضعيفة لاستدار العطف، حتى البائعة الجوالون من فقرائه المعدومين يمشون في عزة وكرامة، جند في استعراض عسكري ظافر.. رؤوسهم مرفوعة كأن كل واحد منهم أمير في قومه”.

 

وفي هذا الإطار العام للشخصية الصعيدية، يتسم الريفيون، وهم الأغلبية، ببعض السمات الإضافية، لعل أهمها تلك الازدواجية في التفكير التي تجمع بين التفكير الواقعي العملي المرتبط بتصريف شئون حياتهم ومصالحهم، وبين نوع التفكير الذي يزعم زوراً الاستناد إلى الدين، ويكمن هذا الاعتقاد بالخرافة وراء ظاهرة انتشار الدجالين من “لابسي العمامات الخضراء” الذين يكتبون الأجنحة من الواقية ، للنساء أكثر من الرجال، ويشفيهن من العقم، إضافة لمن يزعمون العهود والمواثيق مع الجن والأنس وهؤلاء أكثر ضحاياهم من الرجال، فهم قادرون على ” ربطهم” أي إصابتهم بالعجز الجنسي، وهي من أوضح ظواهر تغلب الوهم على النفوس في هذه البيئة الريفية الصعيدية كما يرى يحيى حقي.

 

المرأة حبيسة البيت

الصورة العامة لنساء الصعيد في مذكرات حقي سلبية فهن ” حبيسات في دورهن، من تفخر أنها لم ترتدي الملس إلا مرة واحدة يوم أن خرجت زفتها من بيت أبيها إلى بيت زوجها، وكأنما ودت لو كفنت به”.

 

وتقطر كتابات حقي بالشفقة والتعاطف مع المرأة الصعيدية المغلوب على أمرها، “وجدت أغلب الفلاحات ما تكاد الواحدة تتزوج وتخلف وليداً أو اثنين حتى تتساوى في المظهر مع أمها، قدتها لسعة الشمس ووقدة الفرن، ودمغها بميسم واحد بذ جهد مماثل في عمل شاق متصل رتيب، هي أكثر أهلنا قفزاً من الصبا إلى الشيخوخة”.

 

الأقباط

يكشف حقي في قصة “البوسطجي” أن أهل الصعيد لا ينظرون إلى أقباطهم باعتبارهم آخر، ولكن باعتبارهم أهل ينتمون لدين آخر، وإن اشتركوا معهم في منظومة القيم ومظاهر الحياة الاجتماعية،والشخصية النموذجية في القصة هي شخصية “المعلم سلامة “الأرثوذكسي الذي” لا يكاد يفترق في مظهره وأخلاقه وعاداته، عن بقية المسلمين، فاللبس واحد، والعمامة فوق رأسه عليها المقدار ذاته من التراب”.

You must be logged in to post a comment Login