الشيخ مصطفى عبد الرازق.. مجدد الفلسفة الإسلامية وأول أستاذ لها

الشيخ مصطفى عبد الرازق

الشيخ مصطفى عبد الرازق

**أول أزهري يتولى “الأوقاف”.. ونال “المشيخة” بعد تغيير القانون

**عرف الفرنسيين معنى الإسلام في كتبه.. وترجم “رسالة محمد عبده” إلى الفرنسية

 

المندرة: هدير حسن

حتى يصبح الشيخ الحادي والثلاثين لجامع الأزهر، تم تغيير قانون الأزهر في ما يخص تعيين شيخ الأزهر ليتناسب معه، فهو أحد أهم علماء الأزهر وأحد مجددي الفلسفة الإسلامية، الذي يعده البعض رائدها، درس بفرنسا الفلسفة ودَرّس اللغة العربية لطلاب الجامعات الفرنسية.

 

ولد الشيخ مصطفى عبد الرازق بقرية “أبو جرج” التابعة لمركز بني مزار في المنيا عام 1885، وكانت أسرته تهتم بالتعليم، ووالده صديق للإمام محمد عبده، الذي انتهل الشيخ مصطفى عبد الرازق العلم منه، وقبل أن يبدأ مشواره مع العلم والدين والفلسفة، كان للشيخ بصمته داخل قريته، فبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم، واستعد للالتحاق بالأزهر الشريف، قام بإنشاء جمعية مع أقاربه واصدقائه، وأسموها “غرس الفضائل”، وكانوا يتناوبون على الخطابة فيها مساء كل جمعة، وظل أمين سر بها من عام 1900 وحتى 1905، هذا بخلاف الصحيفة الخاصة التي أنشأها وأسماها “البالوظة”، فكان يحب الأدب والكتابة الصحفية.

 

وفي الأزهر الشريف، درس الشيخ مصطفى عبد الرازق على يد كبار علماء الأزهر من الشيخ بسيوني عسل، والشيخ الجيزاوي، والشيخ محمد شقير، والشيخ محمد بخيت، ودرس كتاب “طوالع الأنوار للبيضاوي”، الذي درسه مع الشيخ أبي خطوة، وكان الكتاب يضم مذاهب الفلاسفة المسلمين، وكان بداية طريقه مع الفلسفة، أما الإمام محمد عبده، فكان صاحب الأثر الأكبر على مسيرة الشيخ مصطفى وطريقة تفكيره، فقد كان الإمام منبوذ من بعض علماء الأزهر لأفكاره الإصلاحية المنفتحة، وكان يتم الطعن في سمعته، واتهامه بالكفر والإلحاد، وكان الشيخ مصطفى يراسله سرًا، ويحضر دروسه بالرواق العباسي، وخرج بعد أحد الدروس قائلًا: “اللهم إن كان هذا إلحادًا، فأنا أول الملحدين”.

 

وقبل الخوض في تفاصيل علاقة الشيخ بالإمام، نعرض لمسيرة الشيخ مصطفى عبد الرازق في فرنسا، بعد أن حصل على شهادة العالمية من الأزهر عام 1908، وسافر إلى باريس عام 1911، ودرس في جامعة “السوربون”، وتعرف على علم الاجتماع على يد عالم الاجتماع الشهير “إميل دوركايم”، وفي جامعة “ليون” عمل مع الأستاذ “لامبير”، ودرّس أصول الفقه فيها، كما عمل على تدريس اللغة العربية والأدب العربي، وقام بإعداد رسالة الدكتوراة حول “الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلام”، ولكن جاءت ظروف الحرب العالمية الأولى، وأعادته إلى القاهرة.

 

فور وصوله إلى مصر، تم تعيينه عام 1915 موظفًا بمجلس الأزهر الأعلى بإشارة من السلطان حسين كامل، الذي كانت تربطه به علاقة طيبة، ثم اصبح سكرتيرًا للمجلس الأعلى للأزهر والمعاهد الدينية عام 1916، وهو نفس العام، الذي اشترك فيه بالجمعية الخيرية الإسلامية، التي تم انتخابه عام 1920 بمجلس إدارتها، واستمر بها حتى أصبح رئيسًا لها بعد وفاة الشيخ المراغي (تعرف عليه هنا).

 

مرّ الشيخ مصطفى عبد الرازق بعدة وظائف، ففي 4 سبتمبر 1920 تم تعيينه مفتشًا للمحاكم الشرعية، وفي نوفمبر 1927 عمل أستاذًا مساعدًا بالجامعة الأهلية (جامعة القاهرة حاليًا) بعد أن تحولت إلى جامعة حكومية، واستطاع بكفاءته وقدرته على إثراء الفلسفة الإسلامية أن ينال منصب أستاذ الفلسفة بالجامعة عام 1935، ونال رتبة البكاوية في 2 فبراير 1937، ثم نال الباشوية في 1941، وعين عضوًا بالمجمع اللغوي عام 1940، وتم اختياره كأول أزهري يتولى وزارة الأوقاف في وزارة محمد محمود باشا عام 1938، وظل محتفظًا بالمنصب على فترات متصلة ومتباعدة حتى عام 1944، فقد شغل المنصب في 7 وزارات آخرها وزارة أحمد ماهر باشا، قبل أن يتم تعيينه شيخًا للأزهر.

 

قصته مع المشيخة

ولتوليه مشيخة الأزهر قصة، فالمرشح لتولي منصب شيخ الجامع الأزهر كان لا بدّ أن تتوافر به عدة شروط، أولها أن يكون من هيئة جماعة كبار العلماء، أو أن يكون قد تولى وظائف في القضاء الشرعي، أو قام بالتدريس في الأزهر لفترة معينة، ولما كان الشيخ مصطفى عبد الرازق لم تنطبق عليه أي من الشروط، قوبل تعيينه كشيخًا للأزهر بالرفض، وهنا تم اللجوء إلى تغيير قانون الأزهر حتى يصبح التدريس بالجامعة الأهلية مساويًا للتدريس بالأزهر، في حال الترشح لنيل مشيخة الجامع، وعلى هذا أصبح الشيخ مصطفى عبد الرازق شيخًا للأزهر في 27 ديسمبر 1945.

 

كان ينتوي الشيخ المحب للفن، والمنفتح على الثقافة، وصديق المثّال محمود مختار أن يُحدث تغييرًا في الأزهر، ويقوم على إصلاحه، فقام بإدخال اللغات الأجنبية إلى الأزهر، واهتم بإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا، ولكن الظروف لم تمهله ليحقق ما تمناه، ففي يوم 17 فبراير 1947، وبعد أن أنهى رئاسة جلسة المجلس الأعلى للأزهر عاد إلى بيته، واستسلمت روحه إلى بارئها.

 

الشيخ والفلسفة

دور الشيخ مصطفى عبد الرازق في الفلسفة كان جليًا واضحًا، فقد رفض أن يتم وصف الفلسفة العربية بالنقل والترجمة عن الفلسفة اليونانية، وأصر على أنها فلسفة متجددة ومبتكرة، وعكف على تدريس الفلسفة بالجامعة، في وقت كانت فيه حكرًا على الأجانب، وأسس ما عرف بـ “الفلسفة الإسلامية”، وعمل على توضيح أفكاره في كتابه “التمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية”، الذي يعد أهم المصادر التي يرجع إليها الدارسون، فكان صاحب أول تاريخ لها باللغة العربية، ورأى أن الدين والفلسفة يبتغيان سعادة البشر، وأنهما متفقان في الغاية، ومختلفان في الوسيلة، وكان يرفض ترسيخ فكرة أن الفلسفة خادمة للدين، معتبرًا إياها فكرة تُفسد الدين والفلسفة على حد سواء.

 

حاول الشيخ أن يكون مؤثرًا في نظرة الغرب والمستشرقين إلى الفلسفة والإسلام، فعمل على ترجمة “رسالة التوحيد للإمام محمد عبده” إلى الفرنسية بالاشتراك مع “برنار ميشيل”، كما ألف كتبًا بالفرنسية حول “معنى الإسلام ومعنى الدين في الإسلام”، وله كتب آخرى أهمها: “فيلسوف العرب والمعلم المثالي”، “الدين والوحي في الإسلام”، “رسائل موجزة بالفرنسية عن الأثري الكبير المرحوم بهجت بك”، “مذكرات مقيم”، و”مذكرات مسافر”، بخلاف الكتاب الذي ألفه عنه أخاه الشخ علي عبد الرازق (تعرف عليه هنا)، والذي يضم المقالات والأبحاث والدراسات التي قام بها الشيخ، وأصدره بعد وفاته تحت اسم “آثار مصطفى عبد الرازق”.

 

تعرف على شيوخ الأزهر الصعايدة هنا.

 

You must be logged in to post a comment Login