الشيخ علي عبد الرازق.. صاحب الكتاب الذي نفى الخلافة ونزع عنه العالمية

الشيخ علي عبد الرازق

الشيخ علي عبد الرازق

**رحل إلى بريطانيا للدراسة فأعادته الحرب العالمية الأولى

**”الإسلام وأصول الحكم” نفاه إلى باريس وانتشل منه المواطنة

 

المندرة: هدير حسن

في وقت اشتد فيه الصراع بين الملوك والحكام العرب على الخلافة، بعد أن تخلت عنها تركيا، وأرسلها كمال الدين أتاتورك إلى مثواها الأخير، ظهر الشيخ علي عبد الرازق بكتابه “الإسلام وأصول الحكم”، ليعلنها صراحة “لا خلافة في الإسلام”، فيُغضب منه شيوخ الأزهر، والملك فؤاد، الذي كان يطمح إلى حصوله على لقب “خليفة المسلمين”، ولكن دراسة الشيخ علي أفسدت مخططه.

 

الشيخ علي عبد الرازق، قادم من الصعيد، حيث ولد في المنيا بقرية أبو جرج التابعة لمركز بني مزار عام 1888، تربى في أسرة ثرية كانت تملك، وقتها، أكثر من 7 آلاف فدان، إلى جانب اهتمامها بالعلم والفكر، فوالده حسن باشا عبد الرازق كان عضوًا بمجلس شورى القوانين، وكان صديقًا للشيخ محمد عبده، الذي اعتقد كثيرون أن الشيخ علي تأثر بفكره، أما أخاه فهو الشيخ مصطفى عبد الرازق، شيخ الأزهر، والمفكر الإسلامي.

 

البيئة التي نشأ بها الشيخ علي توضح مدى الحرص على التعليم، فلقد حفظ القرآن في كُتّاب قريته، وارتحل إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر، الذي أنهى دراسته به وحصل على الشهادة العالمية عام 1912، وكان يدرس بالجامعة الأهلية (جامعة القاهرة حاليًا) إلى جانب دراسته الأزهرية، ثم قرر أن يلتحق بجامعة اكسفور في بريطانيا، ولكنه لم يستطع أن يكمل تعليمه بها لاندلاع الحرب العالمية الأولى، فعاد إلى القاهرة، وعُين قاضيًا شرعيًا عام 1915 بمحكمة المنصورة الشرعية، وهو المنصب الذي استمر به حتى أصدر كتابه “الإسلام واصول الحكم” عام 1925.

 

اختلفت مسيرة الشيخ علي بعد أن أصدر هذا الكتاب، فالفترة التي انتشر بها الكتاب، كانت فترة انتهاء الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1924، وإعلان الجمهورية بتركيا، التي رأت أنها ستكون مسئولة عن نفسها فقط، ولن تُنصب خليفة للمسلمين، مما جعل حكام وملوك الدول العربية يضعون لقب “الخليفة” نصب أعينهم متأملين الحصول عليه، وكان الملك فؤاد، أحد هؤلاء، فقد كان يسعى إلى تنصيب نفسه خليفة للمسلمين تحت رضا وموافقة من شيوخ وعلماء الأزهر، وأخذ من السبل ما يمهد لحدوث ذلك، ليجئ الشيخ علي بكتابه الذي يرى أن الخلافة ليست أصلًا من أصول الإسلام، ويقطع أمامه الطريق.

 

الكتاب والسلطة ينهيان الشيخ

والكتاب أتى في 3 أجزاء، الأول يتناول موضوع الخلافة والإسلام، والثاني يناقش مسألة الحكومة والإسلام، والثالث يوضح الخلافة في التاريخ، ففي صفحات كتابه يقول الشيخ علي: “التاريخ يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام والمسلمين وينبوع شر وفساد”، كما يقول: “ولاية رسول الله على قومه ولاية روحية، منشؤها إيمان القلب، وخضوعه خضوعًا صادقًا تامًا يتّبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية ماديّة، تعتمد إخضاع الجسم من غير أن يكون لها بالقلوب اتصال، تلك ولاية هادية إلى الله وإرشاد إليه، وهذه ولاية تدبير لمصالح الحياة وعمار الأرض، تلك للدين، وهذه للدنيا”، ويزيد على ذلك قائلًا: “الرسول لم يكن ملكًا أو حاكمًا أو ئيس دولة، إنما أُرسل ليبلغ رسالته للعالمين. وهي رسالة روحية خالصة. وإذا وجدت سلطة بعد الرسول، فهي سلطة مدنية سياسية وليست سلطة روحية”.

 

تلك الأفكار، وغيره، كانت سبب ثورة شيوخ وعلماء الأزهر، رافضين ما جاء بكتاب الشيخ علي، معلنين الحرب على أفكاره، فانتشرت المقالات المطالبة بحكم الإسلام عليه، ورد عليه الشيخ محمد الخضر بكتاب “نقد كتاب الإسلام وأصول الحكم”، واجتمعت هيئة علماء الأزهر لمحاكمته، وقررت فصل الشيخ من عمله، وإلغاء صفة المواطنة عنه، فكان نص قرارها الصادر في 12 أغسطس 1925: “حكمنا نحن شيخ الجامع الأزهر، بإجماع أربعة وعشرين معنا من هيئة كبار العلماء، بإخراج الشيخ على عبد الرازق، أحد علماء الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الشرعية، مؤلف كتاب (الإسلام وأصول الحكم) من زمرة العلماء”، وكان من توابع هذا القرار أن تنتفي عن الشيخ حقوقه كافة، فتضمن نص القرار: “ويترتب على الحكم المذكور محو اسم المحكوم عليه من سجلات الجامع الأزهر، والمعاهد الآخرى، وطرده من كل وظيفة، وقطع مرتباته في أي جهة كانت، وعدم أهليته للقيام بأية وظيفة عمومية دينية كانت أو غير دينية”.

 

وكأنها حرب مكتملة الأركان، ولكن وقف أصحاب الفكر ومؤيدو حرية الرأي والتعبير أمثال: العقاد، ومحمد حسين هيكل، وطه حسين، أحمد لطفي السيد، وسلامة موسى لمناصرة الشيخ علي، ودافعوا عن حقه وحريته في التعبير، ولكن هذا لم يوقف قرارات شيوخ الأزهر، التي قام عبد العزيز فهمي، وزير الحقانية (العدل حاليًا) بتحويلها إلى لجنة في الوزارة، وهو ما اعتبرته السرايا، أي الملك فؤاد، تعطيلًا لتنفيذ الحكم، وأمرت بفصل عبد العزيز فهمي من الوزارة، واستقال احتجاجًا على إثر هذا القرار توفيق دوس باشا، ومحمد علي علوبه باشا، وإسماعيل صدقي باشا، وأتى وزير آخر للحقانية نفذ أمر الملك من فوره.

 

رحل الشيخ علي، بعد هذه الواقعة، إلى باريس محبطًا متاثرًا بما ناله، وكان يرسل المقالات والكتب إلى مجلة “السياسة” لتنشرها له، وله غير كتابه المثير للجدل كتب آخرى، هي: “الإجماع في الشريعة الإسلامية”، و”أمالي علي عبد الرازق”، و”من آثار مصطفى عبد الرازق”، ليستطيع أخوه، الشيخ مصطفى عبد الرازق، في أثناء توليه مشيخة الأزهر بعهد الملك فاروق أن يعيده إلى زمرة العلماء، ويعيد إليه مؤهله العلمي، وأصبح بعدها وزيرًا للأوقاف عام 1948، وشغل عضوية مجلس النوب، ومجلس الشيوخ، وكان عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ليرحل في 23 سبتمبر عام 1966.

 

You must be logged in to post a comment Login