عمار الشريعي.. أعدته أسرته مقرئا فخلد ألحانه بمكتبة الموسيقى العربية

الموسيقار الراحل عمار الشريعي

الموسيقار الراحل عمار الشريعي

**تعددت مواهبه بين التلحين والتأليف والغناء وقدم برنامجين إذاعي وتلفزيوني

 

**عمل في شارع الهرم عازفا وراء راقصة وبدأ مشواره الفني بموسيقى مسلسل الأيام

 

المندرة: سارة سعيد

كثيرا ما تأتي الأقدار بما لا يشتهيه الإنسان، لكن قلما ما تجد من يحاول التغلب على قدره والصمود أمامه مهما كان درجة العجز، فكم من إنسان وُلد كفيفا واستسلم أمام ما اختاره قدره له، بينما هناك من تغلب ومن أبرزهم عمار الشريعي الذي غاص في بحر النغم وحصل على جائزة ‘‘الحصان الذهبي’’ لأحسن ملحن في إذاعة الشرق الأوسط لسبعة عشر عاما متتالية. حسه الفني ساعده في التغلب على فقدان بصره، ورفضه أن يكن مقرئا جعله يسعى للبحث عن مستقبل أفضل بالموسيقى فكانت له بصمات تاريخية بألحانه وكلماته في مكتبة الموسيقى العربية.

 

ذكرى ميلاده

تحل اليوم ذكرى ميلاده السادسة والستين، وتحتفل بها إذاعة الشرق الأوسط وغيرها العديد من الإذاعات، على الرغم من رحيله منذ عاما ونصف إلا أن تاريخه الموسيقي جعله خالدا في قلوب محبيه ومستمعيه. وُلد عمار على محمد إبراهيم علي الشريعي في 16 أبريل عام 1948 بمركز سمالوط بالمنيا، لعائلة ترجع أصولها لقبيلة هوارة بالصعيد.

 

تشابهه مع طه حسين

شاء القدر الإلهي أن يُولد كفيفا، وجرت العادة في محافظات منذ القدم أن من يفقد بصره أو يأتي الدنيا كفيفا يحفظ القرآن ويدور بالمقابر ليقرأ بالجنازات والمآتم، ومن ثم يصبح عملا له يسترزق منه ويفتح منه بيتا، لكن اختلف الوضع كثيرا مع عمار الشريعي كما اختلف من قبله مع عميد الأدب العربي طه حسين، فكلاهما من المنيا وجمعهما العاهة والتحدي، فبدلا من أن يكن مصيرهما في القرافات مقرئين على أرواح الموتى، استطاعا أن يكونوا نموذجين يستشهد بهما العالم بأسره في قوة الإرادة.

 

بدايته مع الموسيقى

رفض عمار أن تتسبب عاهته في تعجيز طموحه، فلم يقبل فكرة أسرته فبعدما تعلم القرآن والإنشاد الديني، انتقل بعدها ليدرس في أحد مراكز رعاية المكفوفين بالمنيا، والتي قد تم انشائها حديثا، وفي تلك المدرسة بدأت تولد موهبته الموسيقية حيث كان مغرما بالعزف على آلة البيانو. كانت مدارس المكفوفين في تلك الوقت تُعد الأطفال إما أن يكونوا دارسين بالأزهر أو بمعهد الموسيقى العربية أو عاملين بمصانع خاصة بالمكفوفين.

 

عزفه على آلة البيانو وغيرها من الآلات جعله يدرك حلمه وولعه بالموسيقى، واستكمل دراسة الموسيقى الشرقية بمدرسة الثانوية، كما تعلم أكثر من البرنامج الموسيقي المكثف الذي وضعته وزارة التربية والتعليم، للطلاب الراغبين في دراسة الموسيقى. أراد أن يسلك هذا الطريق لكن أقنعته والدته بأن يحصل على شهادة من إحدى الجامعات، ذلك لأن الفن لن يفتح له بيتا، وحقق عمار الشريعي رغبتها والتحق بكلية الآداب جامعة عين شمس ودرس اللغة الإنجليزية، واستطاع أن يحصل على الليسانس.

 

عمله بشارع الهرم

بعدما انتهى من امتحانات الكلية، ذهب لرمسيس الهرم للعمل كعازفا للأكورديون، فكان يعمل عازفا وراء إحدى الراقصات، وبعدما علمت والدته قررت أن تقاطعه لأن رزقه أصبح من المال الحرام، فكثيرا حلمت بأن يكرر تجربة طه حسين أو أن يثبت جدارته في مجال آخر، وساعدته في أن يتغلب على عجزه لكن عمله جعلها تتأكد بأنه سيفشل. استمرت القطيعة خمس سنوات وفي تلك الفترة ترك الشريعي المنزل وبدأ في التخطيط لحياته، وصمم ألا يعود إلا إذا استطاع أن يثبت نجاحه لنفسه وللجميع وأن شارع الهرم ما كان سوى مرحلة مؤقتة من حياته.

 

موقف والدته لم يكن غريبا، فهي من شجعته على ذلك الطريق وكان يسميها دائما ‘‘مخزن الفلكلور الشعبي للغناء المصري’’، وكانت تحفظه أغاني الأفراح دون أن يدرك معانيها، لكن ليس من السهل على الإطلاق أن توافق الأم على أن يبدأ ولدها مستقبله وراء راقصة في شارع الهرم. استكمل الشريعي الطريق الذي اختاره لنفسه إلا أن حدثت مشكلة بينه وبين الراقصة عزة شريف، فترك العمل عندها وقرر أن يعود لمنزل والدته. بينما كان عازما أمره على السفر طُلب لإحياء سهرة في منزل رجل ثري وأخذ حينها 500 جنيه.

 

عمار الشريعي في بداية مشواره

عمار الشريعي في بداية مشواره

الموهبة الموسيقية

استطاع أن يقرأ النوتة الموسيقية ويكتبها وهو في الصف الرابع الإبتدائي، توقع له كامل الشناوي، صديق والده، أنه سيكون موهبة قادمة خاصة بعدما ناقشه في إحدى أغنيات فيلم الخطايا وعلق عليها. اكتشفت أسرته الموهبة فيه وقررت أن تدعمه وطلب والده من الموسيقار كمال الطويل أن يحضر امتحانه ويقيم مستواه، وقال لوالده ‘‘ابنك زي طالب متخرج من معهد الموسيقى من سنين’’، وتبناه كمال الطويل فنيا كما تعرف على الموسيقار بليغ حمدي، وأضافا له الكثير خلال مشواره الموسيقي.

 

لم تقتصر موهبته الفنية في العزف على الآلات، بل عمل على إثقالها بالتأليف والتلحين، كما أنشا فرقة ‘‘الأصدقاء’’ الموسيقية عام 1980 مع صديقيه الشاعرين عمر بطيشة وسيد حجاب، وقدموا من خلالها الموسيقى الشرقية، وكان الشريعي مؤمنا بأنها الأصلح في ذلك العصر واستمرت الفرقة عامين وقدمت خلالهما 34 أغنية في ثلاثة ألبومات، وكان أعضائها علاء عبد الفتاح وحنان ومنى عبد الغني. اشتهرت الفرقة بأكثر من أغنية أبرزها ‘‘الحدود’’ وحاولت أن تعبر عن التناقضات التي كانت بالمجتمع المصري حتى أثارت غضب الحكومة وأوقفوها بحجة إنها ‘‘فرقة شيوعية’’.

 

في بداية مشواره مع الموسيقى التصويرية، رفضه المنتجون والسينمائيون ظنا منهم إنه لن يدرك المشهد الذي يحتاج الموسيقى وبالتالي فالصوت لن يعبر عن الصورة حتى وضع اللحن الأول ‘‘امسكوا الخشب’’ لمها صبري عام 1975، والتي لقت نجاحا كبيرا، وبدأ يطلبه المنتجون لوضع موسيقى الأفلام والمسلسلات. في عام 1979 كان على موعد مع مسلسل ‘‘الأيام’’ الذي قلب موسيقى الدراما العربية وأثبت موهبته الحقيقة وفتح له طريق المجد.

 

عمار الشريعي في شبابه

عمار الشريعي في شبابه

على الرغم من أن مسلسل ‘‘الأيام’’ كانت نقلة حياة الشريعي، إلا أنه كان رافضا لذلك المسلسل في البداية، فعندما اختاره مخرج المسلسل يحيى العلمي، فكر الشريعي أن اختياره يرجع للتشابه في العجز البصري بين طه حسين والشريعي، لكن الشاعر سيد حجاب أقنعه بإن اختياره بسبب موهبته لا أكثر. فكان يتقن العزف على آلة ‘‘الأورغ’’ حتى أصبح من أشهر عازفيه في مصر، كما عزف على البيانو والأكورديون والعود.

 

له بصمات في الموسيقى التصويرية للكثير من الأفلام والمسلسلات المصرية، فوضع عمار الشريعي الموسيقى لأعمال فنية كثيرة، وتجاوزت أعماله السينمائية 50 فيلما، وأعماله التليفزيونية 150 مسلسلا، وما يزيد على 20 عملا إذاعيا، وعشر مسرحيات غنائية استعراضية، ولعل من أشهر المسلسلات ‘‘رأفت الهجان’’، و‘‘شيخ العرب همام’’، و‘‘حديث الصباح والمساء’’ أما عن الأفلام فوضع موسيقى أفلام ‘‘البرئ‘’’، و‘‘أبناء وقتلة’’.

 

تطرق الشريعي لتجربة الغناء رغم عدم إقتناعه، فقدم أغنية ‘‘الدم اللي ف ايديا’’ من فيلم ‘‘البرئ’’، كان ذلك بناءا على طلب مخرج الفيلم عاطف الطيب، والأغنية من تلحين الشريعي، فقال له الطيب ‘‘لا يوجد كورال يستطيع أن يغني هذا اللحن’’. كرر تجربة الغناء مع ابنته هدى عمار وقدما أغنية ‘‘ملعون في كل كتاب’’.

أغنية ‘‘الدم اللي ف ايديا’’ بصوت عمار الشريعي


 

المواهب المتعددة

مواهبه لم تقتصر على الفن فقط، لكنه قدم برنامجا إذاعيا وآخر تلفزيونيا، فكان الأول عبر الإذاعة بعنوان ‘‘غواص في بحر النغم’’ واستمر عدة سنوات وارتبط به المستمعين ارتباطا وثيقا، وكان الثاني على إحدى القنوات الفضائية باسم ‘‘سهرة شريعي’’ واستضاف فيه العديد من نجوم مصر والوطن العربي. اتسعت شهرته وعُرف في كل البلاد العربية، وطلبت منه سلطنة عمان أن يُلحن الحفل الموسيقي بمناسبة عيدها القومي عامي 1993 و2010.

 

الشريعي يعزف على العود

الشريعي يعزف على العود

نال الكثير من الجوائز من أشهرها جائزة ‘‘مهرجان فالنسيا’’ من إسبانيا عام 1986، وجائزة ‘‘مهرجان فيفييه’’ من سويسرا عام 1989. وحصل على جائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 2005. ظل الشريعي شمسا مشرقة حتى مرض في أواخر أيامه وأصيب بسرطان الجهاز الهضمي، وذهب لأكثر من رحلة علاجية، ووعد الرئيس السابق محمد مرسي أسرة الشريعي أن يتم علاجه على نفقة الدولة، لكن قضاء الله نفذ ورحل الشريعي في 7 ديسمبر عام 2012 عن عمر يناهز 64.

 

احياء لذكرى الموسيقار عمار الشريعي، قررت إذاعة الشرق الأوسط أن تخصص له فقرة كاملة لعرض أغنياته التي قام بتلحينها.

You must be logged in to post a comment Login