“السبوع” في الصعيد.. يبدأ بـ “مية الملايكة” وينتهي بإشعال الشموع

لوحة عن طقوس السبوع قديمًا

لوحة عن طقوس السبوع قديمًا

**أصوات دق “الهاون” تبعد الأرواح الشريرة

** ابتهالات السبوع: “سموا المولود سعد الله.. إن شالله يعيش إنشالله”

** غمر الطفل في الماء مع ترديد اسمه.. طقس التعميد لدى الأقباط

 

المندرة: منة الله محسن – هدير حسن 

“مية الملايكة، كحل الملايكة، الغربال”، كلمات ربما لا يعرفها الكثيرون، ولكن في الصعيد لا بد أن يعرفها كل كبير وصغير، فهي مجموعة من الطقوس التي يمر بها كافة المواليد يوم “السبوع”، فهو اليوم السابع بعد الولادة والذي يتم فيه الاحتفال بالطفل، وقد يظن البعض أن اختيار اليوم السابع جاء بشكل عشوائي ولكنه على العكس تمامًا، فكانت له العديد من الأسباب والمعتقدات عند أهل الصعيد، ومنها أن تكون الملائكة تركت الطفل حيث تتخلى عنه في اليوم السابع.

 

ولهذا اليوم عدد من السمات منها إشعال الشموع واختيار اسم المولود ومباركة المولود، وقد يقوم البعض بعمل “عقيقة”، وهي طقس إسلامي يتم من خلاله الذبح والتوزيع على المحتاجين، وقد يظن البعض أن “المعمودية المسيحية” هي الطقس المقابل “للسبوع” ولكنه أمر غير صحيح، فـ “السبوع” هو طقس فرعوني لكافة المصريين، أما العماد “المعمودية” فهو يعد بديلًا للختان في بعض الطوائف المسيحية.

 

وبالرغم من أعياد الميلاد التي تتكرر كل عام، إلا أن “السبوع” بالصعيد يظل الاحتفالية الكبرى في حياة المولود، سواء كان ذكرا أم أنثى، والاحتفال بعد مرور أسبوع تحديدا ليس من قبيل الصدفة، ولكن له مرجعية تاريخية وثقافية بجانب بعض العادات والمعتقدات، فبداية اختيار اليوم السابع للاحتفال هو استكمالا لسلسلة التفاؤل بالأرقام الفردية كالـ 3 أو 7 أو 11 وغيرها، ومن ناحية أخرى فالرقم 7 له عدة شواهد تدل على أنه ليس رقما عاديا، ومنها أن عدد السماوات 7، والخلق تم في 7 أيام، ومولود الشهر السابع ربما تكتب له الحياة، ولكن الشهر الثامن يكون من الصعب أن يحيا، وكذلك فطواف الحج والعمرة 7 أشواط، ورمي الجمرات يكون سبعا، وعليه فاستكمالا لسلسلة “بركات” الرقم 7 يتم الاحتفال بالمولود عندما يتم يومه السابع في الحياة.

 

والاحتفال بالمولود يوم “السبوع” ليس احتفالا عاديا، وخاصةً في الصعيد فكل مناسبة لها طابعها الخاص، وكذلك أسباب الاحتفال الخاصة بهم، حيث يتأخر الاحتفال 7 أيام عقب الولادة حتى تسترد الأم عافيتها، والتأكد من عدم وفاة الطفل مباشرة بعد الولادة، بجانب المحظورات “الطقوسية والسحرية” التي تحظر على الأم الفرحة أو الحركة قبل انقضاء أسبوع، والسبب الأخير وهو الأهم انتظار مفارقة الملائكة للطفل والتي يعتقد أنها تفارقه في اليوم السابع.

 

ولهذا اليوم عدة فقرات لا بد أن تتم خلال الاحتفال، وهي حسب المسميات الخاصة بهم كالتالي: “مية الملايكة، كحل الملايكة، تسمية المولود، تعليق البسلة، المشوهرة الخضراء، قص شعر البطن.

 

“مية الملايكة”

وحسبما جاء بكتاب أفراح الصعيد الشعبية، للكاتب درويش الأسيوطي، فإن أول الطقوس التي يمر بها المولود خلال يوم “السبوع” هي “مية الملايكة”، ويقصد بالملائكة إما هؤلاء الحارسين للطفل أو “القرين”، حيث كان من المحظور حتى منتصف القرن العشرين اغتسال الطفل قبل أسبوع، ولكن حاليا لا يتبع هذا الأمر كثيرا خوفا من تعرض الطفل للأمراض، ويتم الاستعداد مع غروب شمس اليوم السادس من خلال الحصول على المياه من النهر أثناء نومه، حيث يعتقد أن النهر ينام “القيلولة” بعد غروب الشمس، وبعدها توضع المياه في “الطشت” الذي يوضع بجوار رأس الطفل أثناء نومه حتى الصباح، ويكون الطفل خلال أيامه الـ 6 الماضية لا يرتدي سوى ملابس أخوته القديمة أم ملابس تم تفصيلها من ملابس أبويه خوفا عليه من أذى “قرينه”.

 

“البسلة”

وتقوم القابلة “الداية” بغسل الطفل في المياه مساء اليوم السابع بعد أن توضع “قلة” في المنتصف إذا كان المولود فتاة، و”إبريق” إذا كان ذكرا، مع التزيين بغطاء رأس منقوش، أو مسبحة الوالد أو الجد، وربما سلسلة ذهبية في العائلات الميسورة الحال، وأحيانا يوضع في المياه بعض أوراق النباتات كالريحان والليمون، والقرنفل، وكذلك توضع حبات الفول حتى تصبح لينة ويتم عمل الوشاح “البسلة” منها.

 

في حين تطلق كلمة “البسلة” على الأشياء تعلق على صدر المولود لحمايته، ومنها “الحرز” وهو عبارة عن كيس صغير من القماش مستطيل الشكل يوضع به قطعة من المشيمة، أو كما يطلق عليها “خلاص الطفل”، وملح غير مجروش، وقطعة خبز، حيث تخيطه الأم وتربطه بخيط متين وتضعه حول رقبة رضيعها، وربما تخيط الأم “حجابين” مثلثين من القماش، يوضع بأحدهما كمية من الكمون الأسمر أو حبة البركة، والآخر يوضع به قدر من القرنفل المطحون، ويعلق على صدر المولود، كما تطلق أيضا كلمة “بسلة” على العقد الذي يصنع من حبات الفول أو القرنفل التي تم وضعها في ماء الملائكة وأصبحت لينة حيث يمكن للإبرة اختراقها، وهي عادة لا علاقة لها بالسحر وإنما فقط لاكساب الطفل الرائحة الطيبة.

 

وتردد الأم خلال خياطتها “للبسلة”:

 

جعلتك حرز

ولبستك حرز

من شر العين

حرز الحسن والحسين

 

التكحيل

ومن المعتاد أن “الكحل” هو أداة تتزين وتتجمل بها النساء في أي مكان في العالم، ولكن بالصعيد يستخدم “الكحل” أيضا للأطفال حديثي الولادة حيث تستخدم القابلة أو أحدى النساء العجائز بالأسرة “الإثمد”، أو كحل الحجر الأسود، لتكحيل الطفل عقب إتمام عملية الغسل وإلباسه ملابسه مباشرة.

 

ويتم تكحيل الطفل سواء كان ذكرا أو أنثى عن طريق غرس “المرود” الخشبي في بصلة ثم في الملح، ثم يعاد إلى البصلة ثم يغمس في المكحلة، ثم يكحل به الطفل، ويصرخ الطفل عندها من الألم ولكن هذا الصراخ لا يثني الأم، ومن حولها بل إنهم يكونون في حالة من الفرحة والابتهاج.

 

ويستمر التكحيل منذ اليوم الثالث عقب الولادة، وحتى نهاية الأسبوع الأول أو ربما بعدة بأيام، وذلك اعتقادا منهم أن هذه العادة تعمل على اتساع العين وجمالها.

 

اسم الشمعة

ولا يرتبط اسم المولود في الصعيد برغبة والديه أو أحد أفراد العائلة كما هو الحال في أغلب العائلات، ولكن يتم اختياره طبقًا لعدد من الشموع، حيث يتم في البداية إحضار مزهرية من بائع الورود تتكون من طبقة أو طبقتين أو ثلاث طبقات حسب حالة الأسرة المادية، ويتم التفنن في تزيينها والحرص الشديد على جمالها، وفي أعلى طبقة يتم وضع مجموعة من الشموع بعدد الأسماء التي قررتها الأسرة مع تسمية كل شمعة باسم من هذه الأسماء، والشمعة التي تستمر لأطول وقت عن بقية الشموع من حولها هي التي يسمى الطفل على اسمها لأنها الأطول عمرًا.

 

وهذا الطقس يتم عقب صلاة المغرب أو العشاء، ويشارك فيه جميع أفراد العائلة، وخاصةً الأطفال، ولا يمنع الاسم الموجود على الشمعة، والذي يعتقد أن الملائكة اختارته للطفل، الأب من اختيار اسم آخر لطفله في شهادة الميلاد حسب رغبته، وهو ما يفسر ظاهرة تعدد أسماء الأبناء بالصعيد.

 

وتلجأ بعض الأسر إلى استقدام مبتهل لإحياء الليلة بغناء “منظومة”، حول مولد النبي “صلى الله عليه وسلم”، وربما يغني الأطفال:

 

سموا المولود سعد الله

إن شالله يعيش إنشالله

 

الغربلة

والغربلة تطلق على تخطي الأم لمولودها سبعة مرات، حيث يتم وضع البخور على جمر متقد في المكان الذي سيتم فيه غربلة الرضيع، ثم يتم خلط سبعة أنواع من الحبوب تختلف حسب طبيعة المنطقة والحبوب الشائعة بها، وكمية من الملح غير المجروش قرب رأس المولود، بينما توضع الخلطة المكونة من “نقل، حمص، وفول سوداني” في الغربال وفوقها الطفل ملفوفا في “أقمطته” أو ملابسه، ثم تبدأ القابلة بالبسملة في حالة المولود المسلم أو “باسم الصليب” في حالة المسيحي، وبعدها طقس التخطي سكين القطع إلى جوار الغربال الذي يوجد به المولود، وتبدأ الأم بتخطي المولود بقدمها اليمنى ويفضل أن يكون وجهها ناحية القبلة، وتردد القابلة:

 

“الأولة بسم الله، والتانية بسم الله، والتالتة بسم الله، والرابعة بسم الله، والخامسة بسم الله، والسادسة بسم الله، والسابعة يا بركة محمد بن عبد الله”.

 

وتبدأ واحدة من النساء أو الفتيات بدق “الهاون”، أو ما يعرف بـ “الهون”، مع الاستمرار في هز المولود، ويعتقد البعض أن دق “الهون” يساعد على فتح آذان الطفل، ويعتقد البعض أن أصوات دق “الهاون” تبعد الأرواح الشريرة عن الطفل، وتحرص النساء على إعطاء المواليد مجموعة من النصائح في صورة فكاهة على الشكل التالي:

 

اسمع كلام أمك “دق الهاون”

متسمعش كلام أبوك “دق الهاون”

اسمع كلام أختك “دق”

متسمعش كلام أخوك “دق”

اسمع كلام جدك “دق”

متسمعش كلام جدتك “دق”

اسمع كلام عمتك “دق”

وما تسمعش كلام خالتك “دق”، إلخ…

 

وأثناء هز القابلة للطفل ورفعه بين يديها، وإعادته للأرض تردد:

 

غربلة يا غربلة

غربلتين وغربلة

للقمحاية غربلة

للفولاية غربلة

للشعيرة غربلة

للعدساية غربلة

للرزاية غربلة

للحلباية غربلة

للبرسيمة غربلة

 

وبعد الانتهاء، يتسارع الأطفال للحصول على النقل والحلويات من الغربال، ولكن بعد أن تكون القابلة حصلت على النصيب الأكبر لنفسها، ثم تحمل الأم طفلها وتدور بها في الداخل والخارج صعودا وهبوطا، وخلفها الجميع والشمع بأيديهم، وتردد القابلة وهي تسير خلفها وترش الملح:

 

يا ملح يا مليح

يا جوهر يا فصيح

يحطوك في النار

تطرقع

يحطوك في الماء

تسيح

يا ملح دارنا

عمر ديارنا

يا ملح دارنا

كبر عيالنا

كتر ولادنا

 

وقد تستبدل هذه الكلمات بكلمات أكثر شيوعا منها، وهي:

 

برجالاتك.. برجالاتك

حلقة دهب.. ف وداناتك

يا رب يا ربنا.. يكبر ويبقى أدنا

 

العماد

و”العماد” المسيحي هو طقس يتم بعلم الكنيسة وحضور الكاهن، وهو ليس الطقس المقابل لطقس “السبوع”، ولكنه أيضا مرتبط بالولادة فهو غالبا يتم بعد 40 يوما للذكور و80 يوما للإناث، ويسمى لدى العامة بالتنصير، وبعده تتم عملية قص الشعر للذكور، ودفنه داخل سور الجير أو في حرم الكنيسة، ويقال إنه البديل للختان في بعض طوائف المسيحية، وكان الأقباط يقومون بتسمية أبنائهم عند التعميد، حيث تختار الأم الاسم فيقوم القس بوضع الطفل في ماء التعميد 3 مرات، وفي كل مرة يردد الاسم، الذي اختارته الأم، ويعود بعدها إلى أمه لتلبسه، ويأخذ القس خيطًا حريريًا ويلفه حول الطفل، بحيث يمر من تحت إبطه الأيسر، ويصنع منه عقدة، ويتلو عدد معين من الصلوات، ثم يحاول وضع قطرات من نبيذ القربان المقدس بفم الطفل ليشربها، وذلك حسبما ورد بكتاب “الناس في صعيد مصر: العادات والتقاليد” للكاتبة الإنجليزية وينيفريد بلاكمان.

 

You must be logged in to post a comment Login