عادات الزواج في “الداخلة”.. طقوس تستمر 3 أشهر

الزفاف في الداخلة

الزفاف في الداخلة

**مثل اختيار العروس: “إن فاتك بنات مصر، خد من بنات القصر”

**60 زوجًا من الحمام حد أدنى لـ “عشيان” العروس

 

المندرة: دعاء جمال

تعتبر واحة الداخلة من أكثر الأماكن التي تتميز بثقافتها المختلفة، فتجد كتب كثيرة تحدثت عن تاريخها الطويل ومأثوراتها الشعبية، فهي مَنْ استخلصت مِن طبيعتها عادات وتقاليد تنفرد بها عن باقي الأماكن، فلكل مناسبة طقوس تُقام لها. وعن الزواج، نجد أنه يشمل 13 عادة لإتمامه، فعادات الزواج بمثابة الأجواء الاحتفالية يستغرق التحضير لها ثلاثة أشهر في الغالب. وقد شرحها بالكامل كتاب صادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب باسم “الواحات الداخلة: دراسة في التاريخ الثقافي والمأثورات الشعبية” لمؤلفه عبد الوهاب حنفي، الذي يكشف لنا عن ملامح الزواج في الواحات الداخلة.

 

اختيار العروس

وتعتمد عملية اختيار العروس في الداخلة على ما تشتهر به كل قرية، ففي قرية القصر تشتهر الفتيات بجمالها، لنجد مثلا شعبيا يقول “إن فاتك بنات مصر، خد من بنات القصر”، وفي قرية المعصرة تتميز الفتيات بقدرتهن على تحمل أعمال المنزل وأعباء البيت الكبير، والتكيف السريع مع المناخ العائلي الجديد.

 

وتشتهر قريتا القصر والقلمون بالمبالغة في مهور بناتهم وكذلك المبالغة في تجهيزات المنزل، ويرجع ذلك إلى ارتفاع نسبة التعليم الجامعي في تلك القرى، نظرًا لارتفاع طموح البنات بداخلها، في حين نجد بنات مدن موط والهندوا وبلاط، تتقن الحرف التقليدية، مثل صناعة منتجات الخوص، بجانب قدرتها على التكيف مع مستوى المعيشة الاقتصادي الموجود.

 

مفردات الزواج

غالبًا توافق احتفالات الزواج موسم جني البلح، نظرًا للرخاء الاقتصادي وقتها الناتج عن عملية بيع المحصول، ويتزامن ذلك مع أشهر الصيف، لما يلاءم جوه السهر خارج البيت، والبعد عن برودة الشتاء القاسية في مناخ الواحات، وتبدأ الاحتفالات قبل موعد الزفاف بثلاثة شهور.

 

وتشمل مفردات الاحتفال بالزواج، أولًا الفاتحة، وهي أولى خطوات الزواج، وتتم بزيارة أهل العريس لأهل العروس، لطلب يد العروس، بقول جملة شكلية تبعًا للعرف الساري، وبعد الاتفاق على كافة أمور الزواج يقرأ الحاضرين الفاتحة، ثم يتناولوا العشاء، وكل ذلك يحدث في غياب تام للعريس، فيجلس ينتظر العروس في “الكوشة” خارج المنزل بعد قراءة الفاتحة ليقدم لها الهدايا الذهبية، وسط أجواء من الغناء والزغاريد، ومن بعد قراءة الفاتحة يحق للعريس زيارة العروس في المناسبات.

 

تبدأ بعد ذلك ليالي السامر، قبل موعد الزفاف بحوالي عشرة أيام على الأقل، وتقام أمام منزل العريس بعد العشاء حتى بعد الفجر، ويطلق عليها في قرية القصر “التسويل”، فيجتمع المدعوون تحت سقيفة البيت مرددين الأغاني الواحاتية، كما يقوم أحد الشباب بتأدية رقصة يرتدي فيها ملابس النساء ونقابها، وكان قديمًا يصاحب الاحتفال تناول عرق البلح. وقد تلاشت هذه الظاهرة مع انتشار نسبة التعليم، بجانب القضاء على معامل تقطير البلح.

 

يوم التفصيل

يمثل هذا اليوم استعراض كافة الأقمشة والفساتين الجاهزة التي جلبها العريس للعروس، كدليل على أنه لم يبخل عليها بشيء، ويبدأ هذا اليوم قبل الزفاف بأسبوع، فتأتي الخياطة لأخذ مقاسات العروس بصورة شكلية، وذلك لأنها أخذتها بالفعل منذ شهر وبدأت عملية الحياكة، حيث تحتفل وقتها السيدات بالعروس بالغناء والتغزل في قوامها.

 

زفة العفش

وهي الاحتفالية التي تقام عند نقل الأثاث الذي يحتوي مجموعة كبيرة الأواني الخوصية إلى بيت العريس، وأثناء النقل يقوم أحد الشباب بتأدية إحدى الرقصات المحلية، حاملًا “مداري القمح الخشبية” وقد علق على أصابعه بعض ملابس العروس، وسط أجواء احتفالية من الفتيات والسيدات بالغناء طوال الطريق، وقد تستخدم سيارات نقل نظرًا لبعد المسافة بين بيت العريس والعروس، وتتم الزفة قبل الزفاف بأربعة أيام حتى تتمكن العروس من فرش عش الزوجية.

 

تنقية الغلة

هي احتفالية نسائية، تسبق موعد الزفاف بثلاثة أيام، وتجتمع السيدات في بيت العريس بقاعته الخارجية، وذلك للقيام بعملية نقاوة حبوب القمح قبل طحنها لأعداد خبز الفرح، بالإضافة إلى قيام خمس سيدات بعملية دق الأرز في “البور” وهي الحفرة التي يتم فيها عملية الدق.

 

الخبيز

وهو اليوم السابق للزفاف، تقوم فيه السيدات بالتجهيزات لعزومة، والتي تقام ظهر يوم الفرح، فيتم خبيز عدد كبير من الخبز الشمسي، والكعك، والفطائر والقرقوش “الفايش”، والمنون وهو فطائر صغيرة تأكل مع الشاي، كما تقوم أم العروس بإرسال الفطائر إلى ابنتها يوميًا بعد الزواج لمدة 7 أيام، ودعوة مجموعة من نساء البلد لمساعدتها في تجهيز كل هذا الطعام.

 

كما يتم تجهيز “القلية” والتي تقدم بجانب الخبز، وتشتهر بها قرية التنيدة، وعن طريقة تحضيرها أولًا تنقية القمح، ثم وضعه في الماجور الفخاري العالق به جزء من خميرة الخبز، وإضافة القليل من الردة والملح، ويملأ بالماء قبل إضافة القمح بمقدار 20 كجم في الغالب، ويترك الخليط لمدة 12 ساعة، ثم يتم تصفية القمح بالغربال، ونشره على بعض الحصر أو أبراش الخوص المنزلية، حتى يجف لمدة ثلاثة أيام، وفي ذلك الوقت يتم فرش الرمل الأصفر على “عرسة الطابونة” ويشعل حطب الوقود من الفتحة السفلية، وعلى مجموعة من القصع الفخارية توزع كميات القمح المختمر، ليتم طهيه، وتوضع “القلية” في أكياس وتوزع على كل المشاركين في ليلة الحنة.

 

زفة العجول

وهي تسبق ليلة الزفاف بيوم، وتتم من وقت العصر حتى ساعة المغرب، بأكبر ميادين الواحة، حيث يشارك فيها أهل الواحة بإحضار ما يمتلكون من ثيران حسنة المظهر، كمجاملة لأهل العريس، ويضم الثيران إلى العجول التي سيتم ذبحها فجر يوم الزفاف، ويتم ذلك وسط أجواء احتفالية على إيقاع الطبل البلدي، اشتهر باسم “طبلة مدبولي”، في عزف ممتد لأكثر من ساعتين.

 

الحنة

وهي احتفالية كانت قديما تقتصر على السيدات والفتيات، إلى أن تطور الوضع وأصبحت تشمل الشباب أيضا، ففي مساء الليلة السابقة للزفاف، تقوم سيدة كبيرة السن من أهل العروس بوضع الحنة في يدها، وتربط يداها بقطعة من القماش لضمان بقاء الحناء حتى صباح اليوم التالي، والحفاظ عليها أثناء النوم، ويتم ذلك في أجواء احتفالية تصحبها أغاني القاعة والعرب.

 

وعن وصف صينية الحنة، فهي عبارة عن هيكل هرمي الشكل من حديد تسليح المباني، قاعدته دائرية تنتهي في أعلاه بقاعدة دائرية صغيرة توضع عليها صينية الحنة، وتحتوي صينية الحنة على عدد فردي من الشموع من 11- 21، تغرس في عجينة الحناء في قاع الصينية.

 

وتبدأ زفة الحنة من أمام بيت العريس بالاحتفال لمدة نصف ساعة يشارك فيها الجيران والأهل، ثم تتحرك الزفة إلى بيت العروس، مع الاستمرار في ترديد الأغاني، ومنها:

 

صلي صلي صلي

عالنبي صلي صلي

 

وتسمى قرية القصر، هذه الليلة باسم “ليلة التسحيمة”، وتعني ليلة الاستحمام، وتقوم الفتيات أصحاب العروس وأقاربها باصطحابها إلى عين شهيرة تسمى “عين وضاح”، وتنسب إلى الشيخ وضاح، وهو صاحب المقام الذي يوجد بالمدخل الجنوبي لقرية القصر الإسلامية، ويتم هناك إتمام كافة إجراءات النظافة، وسط أهازيج الفتيات والسيدات.

 

العزومة

بعد عملية الذبح التي تتم فجر ليلة الزفاف، فيتراوح حجم اللحم المطلوب لإتمام العزومة من 150 إلى 250 كجم وفقا للحالة الاقتصادية للفرد، وتقوم السيدات التي تشتهرن بالطبخ بإعداد طعام العزومة بأكملها، ولكن في الوقت الحالي اتجه أغلب الناس إلى إحضار طباخ محترف، ويقتصر دور أهل المنزل على تجهيز الخضراوات للطعام، وعمل السلطات.

 

أما عن صينية العزومة فهي تقدم لأربعة أفراد، وتتكون من طبق كبير من الفتة يعلوها الأرز، وفوقه أربع قطع من اللحم، ويعتبر هذا الطبق من الأطباق الأساسية على الغداء أو العشاء في الواحات الداخلة، ولا بد أن تكون الفتة من الخبز الشمسي، وتضم الصينية على طبق صغير من الخضر، وطبقين من السلطة والمخلل، بجانب رغيفين أو ثلاثة من الخبز الشمسي.

 

ففي مدينة موط، تقام عزومتين، واحدة من ناحية العريس، وآخرى من ناحية العروس، وبعض قرى الداخلة، يتم تخصيص الغداء لأهل العريس، والعشاء لأهل العروس، حتى يتمكن المعازيم من حضور العزومتين.

 

حلاقة العريس

ويأتي الحلاق إلى بيت العريس يوم الزفاف، لإجراء حلاقة شعره وسط احتفالية يقدم من خلالها النقوط للحلاق من أصدقاء وأقارب العريس، حيث يوضع النقود المعدنية في طبق به ماء، بينما تعلق النقود الورقية على ثياب العريس، ومن المعتاد أن تطول فترة الحلاقة بقدر زيادة عدد المجاملين للعريس، ويردد الحلاق أثناء النقوط:

 

خلف الله عليك يا عريس

والعريس ينقط بخير

خلف الله عليك

خلف الله عليك يا عريس

وفلان “اسم صاحب النقطة “نقط بالخير”

خلف الله عليك

 

عقد القران

وكان قديمًا يعقد في مندرة بيت أهل العروس، كنوع من تقليد عام في الواحات الداخلة، ولكن تغير الحال، ليتم عقد القران في المساجد، باختلاف التوقيت من مدينة لآخرى، ففي القرى الشرقية يتم بعد صلاة الظهر، والقرى الشمالية تتمه بعد صلاة العصر، بينما تنفرد مدينة موط بعقد القران في جامع موط الكبير بعد صلاة المغرب، وتستغرق إجراءات العقد داخل المسجد من 5 إلى 7 دقائق.

 

الزفاف

وهي أكثر الليالي صخبا، فتصل حرارة السامر إلى ذروتها، فهي الليلة الكبيرة، وصاحبة العدد الأكبر من حيث الحضور، فتبدأ الزفة، مع غروب الشمس، حيث يتوجه العريس ومعه أخوته وخالاته وعماته، إلى بيت العروس لإحضارها، فيطوف كل أرجاء الواحة، ثم تدخل العروس مباشرة إلى غرفة “الدخلة”.

 

ومن الأغاني التي تردد في الزفة:

 

يا ولاد عمه هيصوله الليلة

أحسن يقولوا ده قليل العيلة

يا ولاد عمه هيصوله الليلة

احسن يقولوا ده قليل الهى

يا ولاد عمه ساعدوه يسعدكم

أحسن يقولوا ده غريب مش منكم

يا ولاد عمه بيضوا له الأوضة

سبع الرجال خد له عروسة موضة

يا ولاد عمه بيضوا له المندرة

سبع الرجال خد له عروسة صغيرة

 

عشيان العروسة

وتطلق على الوجبات التي تعدها أم العروس وترسلها إلى ابنتها، لمدة سبع أيام بعد زفافها، في زيارة لأهل العروس المقربين، لمدة لا تستغرق ساعة واحدة، وتحتوي صينية العروس على زوجين من الحمام المحشو بالأرز، وطبق كبير من الفتة يعلوها الأرز واللحم، وصنفين من الخضر.

 

وفي اليوم السادس، ليلة سبوع العروس، يتم إرسال وجبة مكونة من 60 زوجا من الحمام غير المطهي كحد أدنى، وكمية من الأرز والخبز الشمسي، وأكثر من أربعة أنواع من المحشي، وكمية من اللحم، والخضر، وعدة أنواع من صواني الحلوى الشامية، حيث تتفاخر العروس بما أتى إليها من أهلها أمام أهل العريس، فتعد لهم من هذا الطعام عزومة كبير تضم أهل العريس فقط.

 

You must be logged in to post a comment Login