الزحف المائي على أراضي ومنازل “كفور النيل” لا يزال مستمرا

** الأهالي: الحل في تغيير مسار المصرف واقامة شبكة صرف صحي

 

الفيوم: سعاد مصطفى وهالة امام

أصوات طفولية ملائكية تنبعث من إحدى مدارس اللغات الواقعة بقرية كفور ، لا تتماشى مع البيئة الملوثة بالقرية التي تروى أراضيها الزراعية بمياه فائضة من الصرف الزراعي المختلط بالصرف الصحي، بينما تسبح مجموعة من البط بكل هدوء فيما يبدو وكأنه ترعة أو قناة، لكنها كانت مستنقع صرف.

 

سبب المشكلة هو مصرف ري رئيسي يقطع قريتهم بالكامل، تفيض مياهه بصفة مستمرة فتغرق الطرق والمنازل والأراضي الزراعية في المياه، التي يصل ارتفاعها في بعض البيوت إلى نصف متر.

 

في محاولة يائسة لصد عدوان المياه، اشترى الأهالي المتضررين ماكينة لنزح المياه واعادتها مرة أخرى إلى المصرف دائم الفيضان. يقول محمد عويس، أحد الأهالي، “الماكنة دي بتفضل شغالة بالأسبوع عشان المية ماتروحش للأرض”، مشيرا إلى الماكينة الدائرة والمستمرة في نزح المياه، وجراكن المصفوفة بجوارها لتشغيلها والتي، بالطبع، يتحمل تكلفتها الأهالي. عويس يتاجر في الخردة، ومخزنه غرق مع علو مياه المصرف، ويؤكد أن بيته نفسه كان أحيانا يغرق في المياه عندما يفيض المصرف.

 

ويوافقه عبد النبي سيد الرأي قائلا إن “المية سارحة على الأرض.. ولولا السدود اللي عاملينها هناك كانت غرقت الدنيا”، بينما يشير الى حائط أو سور ممتد بناه الأهالي في محاولة لمنع وصول المياه إلى الأرض الزراعية. عبد النبي يؤكد أنه لا وظيفة أو مورد رزق له ولأهله سوى نصف فدان تزداد زراعتهم صعوبة عاما بعد عام بسبب بوار الأرض وموت المزروعات.

 

تأثرت المزروعات بفعل الزحف المائي المستمر عليها وما يجلبه إليها من أملاح ناجمة عن اختلاط مياه الصرف الصحي بالصرف الزراعي في المصرف. ويرجع ذلك لعدم وجود شبكة صرف صحي بالقرية، وبالتالي فالاعتماد الأساسي على “الطرنشات” التي لم يجد الأهالي مصدرا لتفريغ ما بها سوى عبر المصرف الذي يقطع قريتهم، الأمر الذي يؤدي لانسداد المصرف بصفة دورية فتغرق القرية، لتكون النتيجة مساحات عارية كانت في الماضي لا تخلو من المحاصيل، وأشجار زيتون جافة لا حياة فيها، وأراضي زروعة مجهدة غير قادرة على انبات الزرع.

 

يوضح عبد النبي أن هناك ثوم مزروع منذ 6 أشهر، قائلا إنه “المفروض يتقلع” لأنه “استوى خلاص”، منتزعا إحدى الفصوص ليرينا جذرها الخالي والذي يفترض أن يكون ثوما ناضجا مضيفا “آدي الثوم في قرية كفور النيل العمدية، والبرسيم مزروع من بداية الشتاء ولم ينبت”.

 

عند السور الحامي للأرض الزراعية تقبع “مصفاة الأرض الزراعية” غير قادرة على أداء عملها مع امتلائها بمياه المصرف الفائضة. يفترض بهذه المصفاة أن تكون نقطة تجمع المياه الزائدة عن حاجة الأرض بعد الري، وبعد تجمعها يتم إبعادها عن الأرض، إلا أنها أصبحت اليوم قناة ضيقة ممتدة بمحاذاة الأرض ممتلئة بالفعل بالمياه طوال الوقت وبجوارها برسيم ميت. وقال عويس معلقا “الأرض ما بتصفيش خالص لحد ما زرعها يموت”.

 

وأشار عبد النبي إلى قطعة أرض خالية كانت تزرع بها كل المحاصيل إلا أنها أصبحت على هذه الحال منذ ما يقرب من عام كامل. وأضاف أن أحوال الأرض الزراعية بدأت تسوء بشكل كبير بعد الثورة إما بسبب غرقها في المياه المشبعة بالأملاح مما يؤدي إلى بوارها، أو تبويرها وبيعها كأرض مبان.

 

وامتد التأثير بطبيعة الحال إلى الحيوانات، فما تظهر حزمة برسيم ملقاة أمام إحدى البقرات وطفلها لم يكن سوى نبات آخر يشبه البرسيم اسمه “البِردي”، بكسر الباء، ليس له أية فائدة، ولكن لا حيلة لأصحاب المواشي في “كفور النيل” سوى تقديمه لبهائمهم بعد أن أصبح البرسيم طلبا صعب المنال منذ توقفت الأرض عن اخراجه.

 

المساكن أيضا متضررة

ولا يقتصر الضرر على الأرض الزراعية، فالأهالي يعانون من زحف المياه على منازلهم. بعض البيوت يصل ارتفاع المياه فيها إلى نصف متر، حيث تبدو آثار الملح واضحة على جدران البيوت. أدخلنا الأهالي بيتا هجره أصحابه بسبب مشكلة المياه، بدا البيت خاليا إى أنه لم يكن كذلك، حيث كان يسكنه والد أحدهم. ولا يعد هذا البيت النموذج الوحيد فمثله العديد من المنازل التي تحولت إلى أطلال بعد أن هجرها أصحابها وفعلت بها المياه ما بدا لها.

 

كذلك تغرق المياه ما أطلق عليه الأهالي “مخزن البيبسي القديم” وهو مخزن تحول إلى جراج سيارات مع وقف التنفيذ، لامتلائه بالمياه، وهو تابع لمدرسة اللغات الموجودة بالقرية.

 

وأشار عبد النبي إلى سور ممتد خلفه صف من المنازل قائلا “وراء هذا السور مياه صرف راكدة رائحتها لا تطاق في مواجهة المنازل مباشرة”. هذه المنطقة كانت أيضا، كغيرها في هذه القرية، مزروعة، لكن مياه الصرف أفسدتها وبورتها حتى أصبحت في النهاية بحيرة صرف. ويؤكد محمد فكرى أن هذا التلوث سبب انتشار الأمراض بين أهالي المنطقة وخاصة الأطفال.

 

حل المشكلة بسيط وهو انشاء شبكة صرف صحي للقرية، وتغيير خط سير المصرف الزراعي فلا يقطع القرية بالكامل متسببا في غرقها، وذلك بشق طريق آخر لمياه هذا المصرف تؤدي بها مباشرة إلى مصرف “البطس”، وهو مصرف آخر يبعد عن مصرفهم مسافة كيلو متر، بدلا من خط سيرها الحالي الذي يجعلها تقطع القرية بأكملها قبل أن تلتقي بمصرف البطس.

 

You must be logged in to post a comment Login