“المندرة” تحاور “الريس علي فاروق” أقدم حفار آثار في الأقصر

الريس علي فاروق

الريس علي فاروق

**35 عاما في التنقيب.. أصدق حدسي.. وخبيئة معبد الأقصر أهم اكتشافات عائلتي “السليك”

 

الأقصر: هدي الدالي

لم يكن يدري الريس “علي فاروق” -45 عاما- بما يخبأه له المستقبل من عمل يجعله يقف علي أعتاب الماضي الحافل بالحضارة والعظمة لينهل منه ما يقويه علي تحدي المستقبل ويطرد عنه النسيان ليتذكر دائما أنه حفيد أعظم حضارة شهدتها الإنسانية.

 

هو أقدم حفار أثري في الأقصر عمل في الحفريات 35 سنة وبرغم بساطة مظهره وتمسكه بالزي الصعيدي من الجلباب الفضفاض والعمة وحرصه علي ارتدائهم حتى خلال زيارته للدول الأوروبية، إلا أنه يمتلك بحراً واسعاً من المعلومات الأثرية وأساليب فنون أعمال الحفر ما يعجز كثير من علماء الآثار أنفسهم عن تحصيله.

 

**سألته: منذ متي بدأ اهتمامك بالآثار وأعمال الحفريات؟

أنا عاشق للحضارة الفرعونية أجد فيها ما يرضي شغفي تجاه الماضي, وأنهل منها الأفكار التي توحي بمدي عظمة الإنسان المصري وكيف كانت أفكاره تضئ العالم في حين كان الجهل فيه يطغى علي الكون. امتهنت عائلتي أعمال الحفر والتنقيب عن الآثار لتبحث عن أسرارهم أسفل الرمال، فجدي كان من أمهر عمال الحفر بالمنطقة الجنوبية وأخذ والدي عنه تلك المهنة.

 

**ما هو أثر عمل أفراد عائلتك بالتنقيب عن الآثار في شخصيتك؟

بدأت مهنة التنقيب عن الآثار من مسقط رأسي في قنا منذ 100 عام تقريبا. كان الحج سيد دراز هو مؤسس تلك المهنة أسعفه القدر في العمل مع الدكتور سليم حسن مؤلف موسوعة مصر القديمة الشهيرة ثّم انتقلت المهنة إلي عائلتي وهي عائلة السليك ليتلقاها والدي الريس “فاروق شارد” وشقيقه وهما بعمر 13 عاماً. ومنذ ذلك الحين حرص والدي وعمي علي نقل تلك المهنة إلي الأبناء فأصبحت أنا وأشقائي وأبناء عمي من أرباب تلك المهنة نتنقل من مكان إلي أخر مرافقين البعثات الأثرية بداية من الجيزة حتى أسوان.

 

**كيف نميت حبك لأعمال الحفر والتنقيب عن الآثار؟

أنا معجب بالحضارة المصرية القديمة وما زاد عشقي وتعلقي بها هو نصيحة والدي دائما بمرافقة البعثات الأجنبية أثناء عمليات الحفر والتنقيب عن الآثار. والدي كان أيضا حريص علي اصطحابي معه في كل أعمال الحفريات التي يقوم بها علي الرغم من صغر سني. وما سهل الأمر هو الاستمرارية في العمل خاصة عندما يكلل بالنجاح في العثور علي مقابر أو قطع أثرية تجعل عامل الحفريات ينسى المشقة التي عاشها والمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها من الحين للأخر.

 

**هل تعرضت لمخاطر خلال ممارستك لأعمال الحفر؟

العمل في مجال الحفريات له خطورته التي تصل إلي تهديد حياة العامل مهما بلغت مهارة وخبرة عامل الحفريات. في فترة عملي بمنطقة العساسيف بجوار معبد حتشبسوت انهارت كومة من الأتربة بلغ ارتفاعها 6 أمتار عن سطح الأرض واحتجز خلفها عدد من العمال وأغلقت المقبرة والعمال بداخلها فما كان مِنِيِ إلإ إن قمت باستخدام لوح خشبي وتمكنت بواسطته من إختراق الكومة الترابية وبمعاونة العمال المحتجزين داخل المقبرة تمكنت من أبعاد الأتربة وسحب العمال واحدا تلو الآخر.

 

**ما هي الخبرة التي اكتسبتها من خلال تعاملك مع البعثات الأجنبية؟

العمل مع البعثات الأجنبية لا يقتصر فقط علي تعلم أساليب الحفر والتنقيب بل أيضا تعلم معاني كبيرة مثل الانضباط في العمل والالتزام بالوقت وتحمل الصعاب والاهتمام بالعمل فنحن نقضي معظم الوقت مع أعضاء البعثات وليس مع أفراد عائلاتنا. رافقت بعثات أجنبية من الأثريين من مرسي مطروح وحتي أبو سمبل وتعلمت من الأخطاء التي يقع بها العمال أثناء عمليات الحفر والتنقيب محاولا تجنبها.

 

**وما هي المواقف التي استخدمت فيها خبرتك بالعمل؟

أثناء عملي مع إحدى البعثات الأجنبية بمنطقة ذراع أبو النجا بالمنطقة الغربية من الأقصر، وبعد مرور فترة من أعمال الحفر والتنقيب دون العثور على شئ، أعلن رئيس البعثة انتهاء أعمال الحفر بتلك المنطقة لكنني لم أوافقه الرأي، وكان شيئا ما بداخلي يجبرني علي الاستمرار في الحفر والتنقيب. حاولت مناقشته واقناعه لكنه رفض وبعد اصرار مني وافق في النهاية. وبالفعل تمكنا من العثور علي مجموعة كبيرة من الأواني الفخارية إلى جانب مجموعة من تماثيل “الأوشابتي” المصنوعة من الخشب والملفوفة بلفائف من الكتان، ولما تعمقنا في الحفر عثرنا علي حجرة داخل باطن الأرض تحتوي علي تابوت الطفل الخشبي، وتجسد الكاهن “أحمسا” أحد أهم الكهنة.

 

**وما هي أهم الاكتشافات في تاريخك المهني؟

أهم اكتشاف أثري ليس لدي فقط بل لدي عائلتي بأكملها هو لوالدي الذي اكتشف خبيئة معبد الأقصر وحالفني الحظ أن أشارك والدي في هذا الحدث الهام. أتذكر جيداً أن والدي لاحظ أثناء قيامه بأعمال الحفر والتنقيب عن الآثار بمعبد الأقصر تغيرا مفاجئا في لون التربة بعد قيام العمال بحفر مسافة 80 سم فطلب أن يقوم 15 عاملاً بالحفر وقام بسحب حجر، و رغم رفض الدكتور الصغير المشرف علي البعثة، ربط والدي الحجر بالحبال ورفعه بمساعدة الحراس بالمعبد والعمال وحتي السياح الذين قدموا لمساعدته.

 

**هل تؤمن بما يسمي لعنة الفراعنة؟

نعم أؤمن بها بعد أن عانيت منها خلال عملي بالتنقيب عن الآثار. المصريون القدماء كانوا بارعون في استخدام كافة أنواع السحر ولم يجدوا مانعاً من استخدامه لحماية مقابرهم من السرقة والعبث. من أشكال لعنة الفراعنة هو “الرصد” أو حارس المقبرة والذي كان غالبا ما يتم قتله خلال طقوس غريبة في المقبرة لحمايتها فيما بعد.

 

**هل ستنقل تلك المهنة لأولادك ؟

نعم أنا حريص علي تعليم أولادي تلك المهنة وإعطائهم خبرة عملي بها وسأحرص إيضاً علي نقلها لأحفادي فيما بعد.

 

**ما هي أهم الجوائز التي حصلت عليها.؟

تم تكريمي في عدة محافل علمية وأثرية بعدة دول أجنبية وشاركت كضيف في 12 فيلم تسجيلي وأيضا في فيلم “البحث عن توت عنخ آمون” سنة 1997 والذي يروي رحلة العالم الأثري هوارد كارتر في رحلة البحث عن مقبرة الملك الصغير توت عنخ آمون عام 1922.

 


موضوعات ذات صلة

You must be logged in to post a comment Login