الراوي في الصعيد.. مهنة الرجل والمرأة

الحكايات الشعبية.. روايتها فن

الحكايات الشعبية.. روايتها فن

**الزهد في الملبس والمكان يجذب الجمهور ويقيسه الراوي ببصيرته

**الزمن ع يوري.. فعل الستات التقيل بين الراوية وزوجة ابنها

 

المندرة: ءالآء علي

“صل ع النبي.. كان في واحد مراته عاوزه تعفرته، عشان مصاحبه عليه، قالت لواحد: أقولك، قال لها: ايه، قالت: والنبي عوزه اعفرته واخلص منه ، قال لها: تعفرتيه كيف؟، قالت: هو رايح يحصد قمح النهارده اعمل إيه فيه؟”

الراوية: ضيا صالح،95 عاما، فعل الستات التقيل

 

الملجأ الوحيد الذي تلجأ له جدتي للتخلص من أسئلتنا البديهية هو أن تأخذنا نحو السرير للنوم أو بجانب الشباك في المغرب لتبدأ بـ “مايحلى الكلام إلا بذكر النبي.. اللهم صلي عليك يا نبي..”، فتحكي لنا عن الثلاث معزات، والوحش الذي أصبح إنسانا بعد أن أحب الفناة الفقيرة، وعن النعامة التي تغير من الفتاة وكان مصيرها الجنون بعد أن تزوجت الفتاة من الوحش. كنا نعتقد أن الجدة هى الوحيدة التي تقص لنا هذه الحكايات بأسلوبها المميز ولن نجد هذه الحكايات عند أي شخص آخر، فهذه الحكايات ميراثنا الذي تركته جدتنا؛ لنجد أن هناك آخرون يروون لنا حكاياتهم في كل مكان في المدرسة، والشارع، والكتب، والتلفزيون، ومؤخراً الإنترنت وشبكات التواصل الإجتماعي، فالجميع يحكي وكل له أسلوبه الذي لن يكون مثل أسلوب جدتي الذي اعتدنا بعد أن تنتهي من الحدوتة أن نقول لها: “احكيها تاني” أو “حدوته كمان” ولكنها كانت تنام بعدها أو تقوم لعمل فنجان القهوة.

 

الحكاية والراوي والأجداد والأحفاد

والحكايات رغم إنتشارها فهى فن شعبي شفهي، انتقل عبر الأجداد، قد يتغير الأبطال، أو أسماءهم، ولكن يستمر بناء الحكاية، والغرض من حكيها كما هى، ولكن في مجتمعات صعيد مصر تنتقل الحكاية ليس فقط من الأباء والأجداد ولكن من خلال الراوي، وهو بمثابة الممثل المسرحي، فيجلس أمامه عدد من الجمهور كما المسرح. والراوي مبدع، فإن لم يبدع في النص ذاته فيبدع في طريقة تقديمه له، فطريقة جذبه لجمهوره يتوقف إلى حد كبير على الطريقة التي يروى بها القصة، وعلى التحريف الفردي الذي يحدثه فيها، فالنص الشعبي لا يكتمل دون الأداء سواء كان في القصة أو في السيرة.

 

الزهد والتقشف يجذب الجمهور

مظهر الراوي غير مميز، فهوو يرى أن الزهد، والتقشف من علامات الخبرة، والحنكة، وليس من باب الرجولة أن يهتم بـ”الموضة” فيطلقوا عليه:”مسخرة، ودلع شباب” ويسقط من نظر المتلقي والمستمع، فالرواة أفراد عاديون يرتدون الزي السائد، فمثلا: الجلباب، الشال (العمة)، وغالبا ما يمسك بعصا في يده، فغاية الراوي إشباع رغبات جمهوره، فضلا عن سماعه لبعض جمل المدح والإعجاب: “الله ينور عليك، اللهم صل عليك يا بني، الله عليك ياعم فلان” مما يعطيه الدافع لإجادة الحكي، وقد يكتفي بإنجذاب الناس إليه وحسن إنصاتهم إليه.

 

تقول أسماء عبد الرحمن في كتابها “الحكايات الشعبية في أسيوط” أن للمهنة أثر كبير على الراوي الشعبي وخير مثال على ذلك عم “منصور سليمان” من عرب القداديح يعمل غناماً، يرتحل كثيراً ولديه ثراء في فن الحكي فحكاياته طويلة وعميقة تحتمل أكثر من حكمة وهدف، حيث تتضمن مشاهد يومية من حياته كتجار الأغنام، والسلع، والسفر. وقد انقسم الرواة الرجال إلى قسمين منهم من ارتبط بـ”العشية” أي الفترة المسائية؛ نظرا لظروف أعمالهم الصباحية، حتى وإن كانت سهلة كالبيع والغزل، أما القسم الآخر فلا فرق بين الصباح والمساء فعملهم لا يحكمهم ولكنهم هم من يحكمونه كالتجار.

 

إبداع الراوي والمكان

مثّل عاملا الزمان والمكان عنصريين مهميين في إنتاج الراوي وإبداعه فكلما أوحى له الجمهور باتساع الزمان من خلال أسلوب الكلام، ومتابعتهم للأحداث، وأسئلتهم في شكل الجلسة. كل هذا له تأثير كبير على إنعاش ذاكرة الراوي. فكلما كان المكان ضيقاً محصوراً انحصر كلام الراوي وأوجز في أحداث الحكاية فأخذ شكلاً آخر، وكلما اتسع المكان وأصبح رحبا كشارع مثلا، كانت احتمالية تجمع عدد كبير من الجمهور. كل هذه العوامل ذات تأثير كبير في تكوين شخصية المؤدي وبالتالي تنعكس على إبداعه وأداءه فمنهم من يستفيض في الحكي ويختار حكايات طويلة.

 

بين الراوية والراوي

ولكل راوي أداءه الخاص به حيث يختلف من شخص لآخر، بين القوة والجمال والقيمة الفنية والإنسانية العالية، وتأنيه عند بعض الجمل وصمته عند البعض الآخر، وعلو صوته في المواقف الساخنة وخاصة الحوارات الداخلية بين البطل وأعدائه، فالراوي لايمكن أن يكون محايداً تجاه ما يحكيه أو يغنيه، فهو دائما ما يأخذ موقف البطل الإنساني البسيط في الحكاية في صراعه مع الشخصية الشريرة، وكذلك حينما يمدح الراوي نفسه أو نسبه أو عائلته على لسان البطل.وتختلف الراوية المرأة عن الرجل الذي يغلب عليه علو الصوت فهى غالباً منخفضة الصوت تميل للترقيق والحنان لجلب عطف المستمع.

 

ضيا قايد.. حماة في حكاية

“قال لها: خدي شوية سمك وحطيهم ليه وهو ع يحصد، خد السمك وجابهم فـ القمح وحطهم. التاني خدهم لمرته، مرته قالت له: جايبهم منين؟. قال: وأنا بحصد لقيتهم قدامي ع يتبعلطوا فـ القمح. قالت له: ياراجل فيه قمح ع يتحصد ويبقى في سمك؟. قال لها: والله العظيم إني أنا لقتهم في القمح.”

الراوية: ضيا صالح،95 عاما، فعل الستات التقيل

واستخدم بعض الرواة تجاربهم ومشكلاتهم الخاصة كمادة للحكايات فمثلا: “ضيا صالح” وشهرتها “ضيا قايد” من السوالم البحرية وهي في شجار دائم مع زوجة ابنها رغم صلة القرابة بينهن معتقدة أن ابنها يطيع زوجته ويظلمها، وقد مثلت حكاياتها “الزمن ع يوري”هذه الظنون، والتي تمثل جزاء الابن الذي لا يسمع لنصيحة والديه وكيف أن الأيام “ادحدرت به”، وحكاية “فعل الستات التقيل” حيث المرأة الذكية التي تستطيع فعل ما تريد فهى تريد التخلص من زوجها حيث تقول: عاوزه أعفرته وأخلص منهوقد نالت غرضها، وجعلت الجميع يحكم عليه بالجنون “الراجل اتعفرت طلقوها منه” فيطلقها مؤكدة على هدفها من الحكاية وموجهة رسالة إلى زوجة ابنها “ما احنا يا ستات فعلنا تقيل”.

الراويات يخجلن

الراوية: “دخلت العروسة جابوا الأكل، حطولهم الأكل أعدوا يأكلوا في الليل، في ليلة الدخلة يعني، هو لسه مادخلش عليها، يعني ع يأكلوا .. قبل ما يجوزوا”

ونجد أن الكثير من النساء يخجلن من الحكي أو التعبير عن الألفاظ الخارجة عن الحياء في بعض الحكايات ويكتفين بالإشارة إليها، فالراوية “عايدة محمد”،65 عاما، تحدثت عن ليلة الزفاف في حكاية “فرق عن فرق” حيث أخذت الراوية تكرر الكلمات للتعبير عن حدث الزواج. وفي كثير من الأحيان، تخجل الراويات من ذكر أسماءهن الحقيقية أو حتى الكلام عن مشكلاتهم الشخصية فيستخدمن الحكاية كنوع من أنواع البوح. وفي حكاية آخرى، تعبر الراوية “منال جاد مسكين ذكي”، 27 عاما، في حكاية “الواد والخال” عن فعل الخيانة بكلمة “دلع” و”هي تدلع هى وصاحبنا، لحد ما حبلت منه وولدت”.

 

السن ونهاية الحكاية

يلعب العامل الإجتماعي المتمثل في عمر الراوي، وجنسه، ومهنته، وثقافته دور مهم في أداء الراوي، ومهارته الإبداعية، فهى خصائص فردية تختلف في كل راوٍ بنسب متفاوته. فتحكي الراوية سعاد عبد الكريم (40 عاما، إبتدائية) حكاية “الأميرة والسبع رجال” للراوية فاطمة محمد أحمد سليم (77 عاما، غير متعلمة) في سطر واحد فتقول: “وقبل ما تكمل جه أبو سندريلا اللي هو الأمير قتلها وكسر المراية”، فيما تقص الثانية نهاية القصة من خلال قصة قصيرة آخرى فتقول: “راحت مرة أبوها مسكت المراية، يا مرايتي في حد أحسن مني في العالم، راحت عايزة تلف على خطيبها الملك. وهى شريرة لما عرف جوزها أنها عايزة تلف الملك، قتلها، وعاشت الأميرة في سبات ونبات”.

 

ومن ثم لأداء الراوي بعض المقومات إلى جانب درجة الصوت، كإيماءات الوجه والأطراف أو الجسد كله، وإصدار بعض الأصوات بالفم أواليدين أو القدمين، واستخدام بعض الأدوات الخفيفة المساعدة أثناء الحكي: كالعصا والقشة، وقد تستخدم المرأة وشاحها أو ضفيرتها للتعبير عن طول الشعر وجماله، ولكل راوٍ لزمته الخاصة “اصحى للكلام، ركزي معايا، خدي بالك”، وكذلك جلية الراوي التي تختلف باختلاف المكان والزمان والجمهور.

 

وعن الرواة المكفوفين وإن كانوا أقلية فلا بد من التوقف عندها، وأشهرهما: الحاج محمد مهنى بنى محمد المراونة، والآنسة هنا أحمد محمد سليمان من عرب القداديح، حيث يعتمدا على التمثيل الأدائي والحركي، وترتيب الأحداث، والتكرار، والاعتماد علي بعض اللزمات مثل: “اصحى للكلام”. ومن باب عدم العجز الذي يحاول عم محمد إثباته للجميع زواجه من امرأتين، فخورا ومزهواً بذلك، أما هنا فتقوم بكل أعمال المنزل دون أن يعترضها شئ حتى الحياكة، ومن هنا نجدها تجتهد في أي شئ يطلب منها حتى لو كان فن الحكي وهو ليس من السهل إجادته بالنسبة لأي شخص عادي.

You must be logged in to post a comment Login