الدفن في الصعيد يعرف مظاهر فرعونية

**مشاهد الفساقي والقباب تعبر عن “تُرَب” الجنوب لطبيعة الأرض الرخوة

 

سوهاج: شيماء دراز

“إكرام الميت دفنه”. الدفن من أقدم العمليات التى تعلمها الإنسان عقب أول جريمة شهدها التاريخ عندما قتل قابيل أخيه هابيل فلم يعرف كيف يوارى جثمان أخيه حتى هداه الله بغراب يدفن غراب آخر فيتعلم الإنسان كيفية الدفن بالحفر بالأرض ووضع الجثمان ومواراة التراب عليه وهو ما عرف بأسلوب اللحد. عرفت البشرية بعد ذلك طرق الدفن الفرعونية بالحجرات وبناء أهرامات هي مقابر تاركين أسلوب اللحد، فتطور الدفن من حفرة بالأرض تتسع لشخص حتى حفرة يعلوها مصطبة ثم حجرة صغيرة وصولا لهرم كامل.

 

في سوهاج، لم يرتبط الدفن كثيرا بالعقيدة فطبيعة الأرض والعادات والتقاليد المتوارثة كان لها الحكم الفيصل فى طريقة الدفن التي يحمل بعضها ملامح فرعونية يستعاض فيها عن مواراة الجثمان بالتراب برش بعض التراب أعلى الجثمان. وتجد بعض القرى الصحراوية بالجبل تدفن باللحد وينتشر ذلك بقرى مركزى دار السلام وأخميم بينما تنتشر الحجرات بمختلف مراكز المحافظة الأخرى وليس للمكانة الاجتماعية دور في تحديد طريقة الدفن.

 

أما الطرق الرئيسية الثلاث للدفن في المقابر أو الجبانة أو الترب فهى الدفن بالحجرات (فساقي) والدفن بالقباب والدفن باللحد مع تنوع كل طريقة منهم وفقا لكل قرية ومركز بالمحافظة، وإن كان اللحد منتشر بالأراضي الصحراوية أو مقابر الجبل كما يطلق عليها، فيما تنتشر الحجرات والقباب في القرى والأراضي الزراعية. ولم تلق طرق الدفن معارضة من الأئمة والشيوخ.

 

الفساقي والقباب

ويقول عبد الله محمد، حفار، إن الدفن بالحجرات نوعان حجرات أعلى الأرض منفصلة متجاورة ولها فتحة تغلق بالطين يدخل منها الجثمان مع الحفار ومن يقوم بالدفن من الأهل. توضع الجثامين داخلها متجاورة مع وضع قماش أبيض على الجثة سابقة الدفن عند كل عملية دفن وعادة ما تقسم الحجرات بين كل عائلة أو بيت ويراعى بعدها عن المياه الجوفية. وبمرور الزمن وامتلاء الحجرة، يتم جمع العظام داخل إحدى الحجرات لإيجاد مساحات جديدة للجثامين. أما الحجرات أسفل الأرض فعادة ما يكون نصف الحجرة غائر بالأرض والأخر ظاهر يحتوى على فتحة تغلق بالطين عقب كل دفن ويتم وضع الجثامين بها متجاورة.

 

أما الدفن بالقباب فيتم بإضافة قبة أعلى كل حجرة سواء كانت أعلى الأرض أو أسفل الأرض مع تكرار نفس طريقة الدفن. ويتم إضافة القباب أيضا أعلى حجرات دفن الأولياء أو المشايخ بالأضرحة وهى منتشرة بصعيد مصر كما ينتشر مثل “تحت القبة شيخ” للدلالة على دفن شيخ أو ولى كما يطلق عليه أسفل الحجرات التى تحمل قبابا ويدفن فيها بمفرده وهي غالبا تتخذ اللون الأخضر.

 

يقول علاء خالد من جزيرة محروس إن نظام الدفن بالقباب هو الأكثر انتشارا بالجزيرة يليه نظام الحجرات.

 

اللحد” الشرعي”

أما اللحد، وهو أقدم طرق الدفن وطريقة الدفن الشرعية بالعقيدة الإسلامية، فكما يقال بوصف رحلة الإنسان “من المهد إلى اللحد” للدلالة على مولد الإنسان حتى وفاته. يضع أهل المتوفى شاهدا أعلى اللحد يحمل اسم صاحب اللحد أو يتم وضع حجارة بمعدل مكعبين أو ثلاثة من الطوب أعلى موضع الرأس للدلالة على وجود جثمان، بينما تكتفى بعض القرى بالدفن داخل لحد دون وضع أى إشارات أو دلائل. وتقوم بعض القرى بعمل قبة صغيرة من الطين أعلى كل لحد لتتشابك القباب الصغيرة معا مكونة منطقة المقابر.

 

يقول محمد حمزة، من قرية الحواويش بأخميم، لـ”المندرة” إن الدفن بالقرية يعتمد على اللحد متوافقا مع طبيعة الأرض الرملية والتى “تنشف الجثة” على حد قوله. يتم الدفن مع وضع حجارة أعلى موضع رأس المتوفى بينما لا تضع بعض العائلات الحجارة وتكتفى بتحديد المقابر بسور، وأخرى لا تحدد مقابرها وتتركها مساحة فضاء شاسعة.

 

ووفقا لدار الإفتاء المصرية فإن القبر الشرعي الذي يصلح لدفن الميت هو عبارة عن حفرة تواريه وتحفظه من الإعتداء عليه وتستره وتكتم رائحته والأصل فى ذلك أن يكون فى شق أو لحد. والشق هو عمق في الأرض على قدر قامة الإنسان العادى الذى يرفع يده فوقه أى حوالى مترين وربع ثم يحفر بها بقدر يسمح بوضع الميت على جانبه الأيمن وصدره للقبلة ثم توضع الحجارة فوق الشق ويهال عليه التراب.

 

أما اللحد ففيه يقوم الواقف داخل الحفرة بحفر مكان بجانبى القبر يسمح بدفن الميت فيه على بعد ثلثى طوله من الأرض ويعمقه بحيث يمكن إرقاد الميت داخله على جانبه الأيسر أيضا مستقبلا القبلة. وهذا يكون للأرض الصلبة وهو ما لا يتوفر ببعض الأماكن في مصر وفق دار الإفتاء فلا مانع من الدفن بطرق أخرى بشرط توافر مواصفات القبر الشرعى، وهو ما دعى البعض للدفن بالفساقى لطبيعة الأرض الرخوة التي لا يصلح بها الشق أو اللحد، دون وجود مانع شرعي كما أفتى الأئمة من متأخري الشافعية.

 

ولا يختلف الأمر كثيرا عند الأقباط كما يقول الدكتور إيليا عزيز، المتحدث الإعلامى بمطرانية الأرثوذكس بسوهاج، حيث يتم وضع الجثة داخل حجرة فوق الأرض أو تحتها وإن كانت توضع في صندوق تترك به حتى التحلل ثم تجمع العظام بعد فترة طويلة من التحلل داخل أحد الصناديق وتسمى معضمة.

 


موضوعات ذات صلة

You must be logged in to post a comment Login