“الدخلة البلدي” وحش ينهش نساء الصعيد

عندما يكون الشرف عبارة عن قطعة قماش

عندما يكون الشرف عبارة عن قطعة قماش

** أصل العادة قبيلة بني هلال التي رأت فيها دليلا على “شرف البنت”

**العادة المؤلمة لا تلقى اهتماما من الحقوقيين كالختان أو الاغتصاب

 

المنيا: رشا علي

فرحت بزواجها في “ليلة العمر” وبعد انتهاء المراسم، ذهبت إلى منزل الزوجية بصحبة أهلها الذين وقفوا بالخارج فيما دخل الزوجان إلى عشهما الصغير، لتفاجأ بأربعة سيدات منهن ثلاثة من الأقارب والداية في غرفة نومها ينتظرن “دليل شرفها”، وسرعان ما حملنها من قدميها ورفعاها حتى لف الزوج يده على “المحرمة” (قطعة قماش بيضاء) ليفض غشاء البكارة بيده.

 

“كانت أسوأ لحظة في عمري” هكذا تحولت ليلة الزفاف عند م.ن التي قيل لها من أقاربها أن رفض الدخلة بهذه الطريقة يعني القتل لأنه يعني أن لديها ما تخفيه.

 

وخرجت الداية لتعطي المحرمة لأهل العروسة لإعلان شرفهم أمام الجميع، لتأخذ الداية نقطتها، ويبدأ الاحتفال بإطلاق النار في الهواء وتبادل التهاني والمباركات وتعلو الزغاريد لنحو الساعتين.

 

م.ن هي إحدى عرائس المنيا، حاولت إقناع زوجها المحاسب -35 سنة- برفض هذه العادة, فقال إنها رغبة أهلها ولا يستطيع مخالفتهم, ومع إصرارها قال إن الرفض يعني أن لديها ما تخشاه, وإذا كانت شريفة فالموضوع منتهي.

 

خضعت لرغبته ورغبة أهلها، لكنها ظلت تتجنب الحديث معه لمدة أسبوع، مما دفعه لضربها لأنه رأي ما حدث “شئ طبيعي”.

 

“ليلة العمر” هكذا توصف أسعد لحظات الرجل والمرأة في ليلة الزفاف، لكن في الأرياف والعشوائيات وجنوب مصر، لا تزال العائلات، خاصة الكبيرة منها، تتمسك بإثبات شرف بناتهن، لتصبح الدخلة البلدي عادة متوارثة بين الأجيال لا تمحى، تمثل الشرف للعائلة وتمثل انتهاكا للعروسة.

 

تعتبر الدكتورة هبة قطب، استشارية الطب الجنسى والعلاقات الأسرية، أن الدخلة البلدي “كارثية بكل معنى الكلمة” لأن من يتولى فض بكارة الفتاة بهذه الطريقة الهمجية لم يدرس شيئا من علم التشريح، وبالتالى قد يسبب لها مشكلات صحية كثيرة كالجروح الغائرة فى القناة المهبلية والنسور المهبلى والشرجى وغيرها، فضلا عن أن هذه المنطقة من الجسد ثرية بالأعصاب الجارسيمبثاوية وبالتالى قد يحدث هبوطا فى الدورة الدموية أو يسبب توقف القلب تحت تأثير الخوف.

 

وقد يلازم الفتاة بعد ذلك طول حياتها شعورا بالقهر لكونها مكتوفة الأيدى عاجزة عن الدفاع عن نفسها. توضح الدكتورة هبة قطب: “هناك اعتقاد راسخ لكنه خاطئ لدى الكثير من الأسر أن فض غشاء البكارة بهذه الطريقة سوف يسهل فيما بعد عملية الجماع، لكن فى الواقع قد تسبب هذه التجربة تصلب عضلة المهبل وبالتالى تعرقل إقامة العلاقة بشكل طبيعى”.

 

وبسؤال عبد المنعم عبد العظيم، مدير مركز تراث الصعيد بالأقصر, عن تاريخ الدخلة البلدي في الصعيد، أرجعه إلى نزول بعض القبائل العربية إلي جنوب مصر مثل قبيلة بني هلال, حاملين هذه العادة, ونفي أن يكون لهذه العادة أساس فرعوني كما يدعي البعض أن الفرعنة كانوا يستخدموا هذه العادة ضد بنات أعداءهم, كعمل يظهروا فيه أن أعداءهم لم يستطيعوا الحفاظ على شرفهم, وقال إنه لا توجد أي مخطوطات أو رسومات في التاريخ الفرعوني تشير إلى هذه العادة, مؤكدا أن أساسها هو القبائل العربية.

 

وذكر أن الأساس في هذه العادة هو أساس نفسي, فالعرب كانوا على دارية بمدى الرهبة النفسية داخل الأنثى في تلك الليلة, فكانوا يعتقدون أنهم بهذه الطريقة يحاولون كسر الحجز النفسي بداخلها, كما كان الزوج يتقبل دخول الداية معه في هذه الليلة.

 

ص.ك هي زوجة أخرى ومعلمة بالأزهر الشريف، تبلغ من العمر 25 عاما، قالت لنا إنه رغم مرور سنوات على دخلتها, إلا أنها لا تستطيع نسيان تلك الليلة. وقالت: “اعترضت كثيرا على ذلك فأنا خريجة الأزهر وإحدى معلماته فكيف أوافق على ذلك وأنا أعلم أنه حرام ولا يمت للدين بصلة”, ولكن حين تكرر رفضها اتهمها بعض أهلها بأنها غير شريفة, حتى أن زوجها وهو ابن عمها أيضا كاد أن يشك فيها, وفي ليلة الدخلة عندما بالغت في رفضها دخل عليها حماها وهو عمها وقام بضربها حتى فقدت وعيها, وعندما أفاقت وجدتهم يباركون لها شرفها، فقد فضوا بكارتها أثناء فقدانها الوعي.

 

وبالرغم من أن زوجها لا يتعدى عمره الثلاثين عاما، كما أنه درس طب الأسنان خارج الصعيد، إلا أن حديثها معه لم يأت بفائدة، حيث اعتبر أن هذه “تقاليد بلدنا ولا يمكن رفضها”.

 

وترى ص.ع، 68 عاما, أن البنت الشريفة لا تزعجها هذه العادة التي تؤكد شرفها, خاصة أن هذه العادات صعب التخلي عنها أو حتى رفضها.

 

في المنيا، تتركز جهود الجمعيات النسائية في مواجهة الختان والزواج المبكر، دون أن يكون هناك نصيب للدخلة البلدي، حتى مراكز الدراسات المعنية بقضايا المرأة على مستوى الجمهورية لم يتوفر لديها أي احصائيات عن هذه العادة تحديدا فالقضايا المتعارف عليها هي الختان والضرب والاغتصاب والتحرش الجنسي.

 

س.م، 20 عاما, أصيبت بنزيف شديد, بعد فض بكارتها, واستمرت لمدة شهر مريضة جسديا, ناهيك عن الألم النفسي, وهي متزوجة من ص.ك الذي يكبرها بخمس سنوات ومعه دبلوم زراعة, ويعمل خارج مصر بإحدى شركات المقاولات. ذكرت لنا أنه عند إصابتها بنزيف أثناء محاولة فض البكارة، تحدثت مع زوجها, عن ألمها، لكنه أصر على فعلته مما أفقدها الثقة به في تلك اللحظة, فقال لها أنها لحظة ومرت وانتهي الأمر, وعليها عدم المبالغة.

 

الشيخ محمد عبد المعبود, إمام مسجد الفتح, ذكر أن الدين الإسلامي ليس له علاقة بهذه العادة, فالسلام جمع بين الزوج والزوجة على أساس من المودة والرحمة, موضحا أن طلاب الأزهر يدرسون في بعض المواد العادات الصحيحة للزوج, حتى يكونوا مؤهلين للتعريف الناس بالعادات الصحيحة لإسلام بعيدا عن العادات الخاطئة التي توارثتها الأجيال.

 

بعض المدرسات يعطون دروسا في المساجد أيضا للتوعية بخطورة هذه العادة, ولكن من الصعب تغير ثقافة بعض القرى, وإن كانت ممارسة العادة في انخفاض عن السابق, كما يقول إمام المسجد، فجميع الدروس موجهة للأهالي أكثر من البنات, لأنهم أساس العادة, لتوضيح الخطورة النفسية لذلك لهم, وعدم رضا الله عن هذا الأسلوب في فض البكارة.

 

 

ولا يختلف الأمر كثيرا لدى الأقباط؛ إحدى النساء قالت إنه تم إعدادها جيدا لهذه الدخلة بالرغم من وجود مخاوف قوية لديها, لكن والديها وزوجها رفضوا طلبها بعدم الإقدام على ذلك موضحين أن جميع أقاربها تمت دخلتهم بهذه الطريقة.

 

وذكرت أن زوجها وهو موظف حكومي -35 عاما- رفض طلبها بالوقوف معها أمام أهلها, وبعد ليلة الزفاف أصيبت بنزيف حاد, وظلت تتردد على طبيب لمدة 15 يوما, واعتبر زوجها أنها تبالغ في الأمر, فجميع أقاربه لم يحدث لهم ذلك, وحين اشتدد الخلاف على أنه هو سبب ذلك ضربها بقوة.

 

القس بنفتيوس من مطرانية سمالوط رفض أيضا هذا الأسلوب في فض البكارة، وقال إنه “حرام” فهذه العادة غير مذكورة في الدين المسيحي بأي شكل, ولذلك تعتبر “اختراعا سافرا”, تناقلتها الأجيال بدون تفكير, وهو ما يتم شرحه في الكنائس, ولكن يكون الأمر بلا جدوى في عدد من القرى لصعوبة تغيير ثقافة سنوات بهذه السهولة.

 

من جانبها، رأت أسماء فتحي, دكتورة الصحة النفسية, أن وجود هذه العادة حتى الآن في الصعيد دليل على التمسك بأسوأ العادات والانتهاك للخصوصية, فكثير من النساء تصاب بتهتك بالمثانة والمهبل ونزيف شديد, كما نتج عنه الكثير من الآثار النفسية السيئة, لافتة أن بعض النساء قد لا يصبن بأي آثار نفسية اذا ما تم إعدادهن جيدا لذلك من خلال حديث الأهل معهن عنه, ولكن تبقي غالبية الفتيات يصبن نفسيا وجسديا, لأن كثير من الأمهات يثقن ببناتهن، ولكن حين ترفض ذلك تجد الأم والأب والعائلة ضدها تماما.

 

 

You must be logged in to post a comment Login