الداخلة.. واحة تروي تاريخ أشهر الحرف التقليدية

الداخلة

الداخلة

**الفخار حرفة موجودة من عصر ما قبل الأسرات الفرعونية

**ثروة الجريد تصنع أثاثات وأسقف للبيوت

 

المندرة: دعاء جمال

منطقة صاحبة النصيب الأكبر من نخيل مصر، فهي تحتوي على مليون وربع نخلة، لتظهر بها الصناعات التقليدية القائمة على منتجات النخيل، لتكن هذه الحرف هي الدعائم الاقتصادية للمعيشة في الواحات الداخلة، وهذا ما ذكره كتاب “الواحات الداخلة: دراسة في التاريخ الثقافي والمأثورات الشعبية” لعبد الوهاب حنفي، وهو من إصدار الهيئة المصرية العامة للكتاب، حيث عرض أشهر الحرف التقليدية في الواحات الداخلة بكافة تفاصليها، بدايةً من:

 

الخوص

من أشهر الحرف التي تشتهر بها نساء الداخلة، فالخوص يقتصر على النساء فقط في منازلهن. وهو عبارة عن أوراق تنمو على جانبي جزع الجريد، يتراوح طول الواحدة منه 20- 40سم، وللحصول عليه يتم إجراء عمليات التلقيح والتقليم السنوية للنخلة، بين شهري مارس وأبريل. وتعتمد صناعة منتجات الخوص على خامات الخوص الأبيض والأخضر، فالخوص الأبيض لصناعة المنتجات ذات الاستخدام المنزلي، أما الأخضر فيستخدم في صناعة المنتجات الخاصة بالعمل الزراعي وأعمال البناء.

 

ويتم حياكة ضفائر الخوص بواسطة إبرة معدنية تسمى “المسلة”، ثم تزخرف باستخدام الخيوط القطنية والحريرية، وفي بعض الأحيان بأشرطة القماش، وتأخذ الزخارف أهمية بالغة في المنتجات ذات الارتباط بمناسبات احتفالية مثل مناسبات الزفاف واحتفالات عاشوراء، ومن هذه المنتجات التي تدخل في احتفالية الزواج، “شادوفة اللحم”، بدارة العشا، برش العروسة والنقصية.

 

ومن منتجات الخوص ذات الاستخدام المنزلي: البدارة، وهي وعاء مخروطي الشكل يستخدم في حفظ القمح، والنقصية، وهي الحجم الأصغر من البدارة، وتستخدم في ذات المهام، ولكن في الكميات الأقل، الشادوفة، وهي أصغر قليلا من النقصية، وقاعدتها ليست مستديرة، بل منبعجة، وتستخدم في حمل الخضر واللحوم والفاكهة من السوق، والقادس، وله وظيفة أساسية في احتفاليات عاشورة.

 

أما عن المنتجات التي تستخدم في أدوات العمل، وتصنع من الخوص الأخضر، ومنها المقطف، وهو الوعاء الذي يستخدم في أغراض خدمة الزراعة وأعمال الحقل، الشمسية، وهي غطاء الرأس الدائم في الواحات الداخلة، الميهة، وهي عبارة عن المقطف في صورة ضخمة، يستخدم الزوج منها في حمل التبن، حزام النخل، وهو مسطح خوصي مستطيل الشكل مثبت في جانبيه حزامين من حبال الليف القوية للربط في وسط جسم طالع النخلة، والمستطيل مكسو بحبال الليف من الوجهين لزيادة التحمل.

 

وفي نفس السياق، نجد من أكثر المشكلات التي تواجه هذه الحرفة، أولًا ثبات الأشكال والأحجام للمنتجات طبقا لوظائفها التقليدية مع عدم وجود أية ابتكارات جديدة سواء في الشكل أو الوظيفة أو استحداث منتجات جديدة، ثانيًا مزاحمة العديد من المنتجات البلاستيكية البديلة لمنتجات الخوص ومنافستها في الأسعار، ثالثًا قلة عدد النساء ممن يمارسن هذه الحرفة لغياب عنصر التدريب وتوريث الحرفة للشابات من الفتيات، رابعًا عدم الرعاية الحكومية لهذه الحرفة سواء بالعون العلمي أو التسويقي.

 

منتجات الجريد

ورغم انتشار النخيل في الواحات عمومًا، إلا أن الحرفة لا توجد إلا في واحة الداخلة فقط، وتحديدًا في مدينة موط، وذلك لأن الواحات الآخرى تقوم بالتخلص من الجريد بحرقه أو بيعه بأسعار زهيدة للحرفيين في الفيوم، فالفيوم صاحبة المرتبة الأولى في مصر من حيث حجم الإنتاج وتعدد المنتجات، وعدد السكان الممارسين للحرفة.

 

ونجد في قرية العجميين التابعة لمركز أبشواي بالفيوم، حوالي 80% من القوى العاملة تعمل في حرفة صناعة أقفاص تعبئة الفاكهة والخضراوات، ليصل إنتاج الحرفة الواحدة إلى معدل 50-70 وحدة في اليوم بنظام خط الإنتاج الجماعي. ويتراوح سعر الوحدة من 3 إلى 4 جنيهات، وتضم القرية حوالي 5000 ورشة لتصنيع الجريد، ما بين ورش يدوية، وآخرى ميكانيكية والتي تقوم على تشغيل الجريد بطريقة الأرابيسك.

 

ونظرًا لأن جريد الواحات البحرية هو الأقرب جغرافيًّا للفيوم، فتستورد منها كميات ضخمة من الجريد، لتنتج الأقفاص بمختلف أشكالها وأحجامها، بجانب صناعة مساكن الجريد المتنقلة التي تستخدم في الحقول الزراعية، كما أن آثاثات الجريد تكون مطلوبة بشكل مكثف في الأماكن السياحية. ومن أهم منتجات الجريد أيضًا صناعة الأسقف في البيوت المشيدة بالطوب اللبن، وصناعة أسوار البيوت والحدائق من الجريد.

 

الفخار

هو الحرفة صاحبة التاريخ الأقدم، بدايةً من عصر ما قبل الأسرات إلى الآن، فالعديد من الأبحاث الأثرية كشفت عن تماثيل فخارية حول قرية المعصرة، في إشارة إلى أن صناعة واستخدام الفخار في الواحات الداخلة يعود إلى عصور ضاربة في التاريخ. ورغم اقتصار حرفة الفخار الآن- ومنذ حوالي ستين سنة- على قرية القصر، إلا أنها كانت فيما مضى أكثر انتشارًا في مدينة بلاط، والمدينتين عواصم تاريخية للواحات. وتنتشر ورش صناعة الفخاريات في وسط القصر.

 

ويتميز الفخار في الداخلة بلونه الأحمر المختلط بالأصفر، فهو يختلف عن منتجات الفخار في منطقة جراجوس بقنا، حيث يتسم هناك باللون البني القاتم، ويرجع ذلك إلى اعتماد الخامة في الواحات على أكاسيد الحديد، بينما في المناطق الآخرى على طمي وادي النيل.

 

ومن الأواني المنزلية التي تصنع من الفخار، البربخ، وهو إناء إسطواني الشكل يستخدم في حلب الأبقار، وحفظ اللبن، والهناب، وهو نموذج مصغر من البربخ، يحفظ فيه الزبد، والقدرة، وهي أحجام مختلفة، تستخدم في الطبخ، أما الأبريق، فيستخدم في صب الماء على الأيدي للوضوء، والقصعة، وهي إناء دائري تستخدم في غسل الأطباق.

 

النسيج

من أكثر الحرف الشائعة في الداخلة، لتجد السيدات في منازلهن والرجال من كبار السن، يمارسون غزل الصوف بالمغزال الخشبي اليدوي، لإنتاج خيوط الصوف، التي تستخدم في صناعة الشرز، وهي ملابس شتوية، كما تصنع الجبة من الصوف اليدوي، وهي الزي الشعبي للرجال.

 

وعن القرى التي تتقن نسج هذا الصوف، قرية البشندي، وهي إحدى الواحات التابعة لمركز بلاط، لتصبح من أهم المناطق إنتاجًا للسجاد والكليم اليدوي، حيث تطورت الحرفة في القرية على مدى خمسة عقود.

 

You must be logged in to post a comment Login