الخبز المدعم.. نقطة الخلاف بين المسئولين والغلابة

** بيوت أهالي “عمرانة” بسبب مخبز سليمان أبو خضر

** عضو بالمقاومة الشعبية: مفيش رقابة من مكتب التموين.. والعيش محروق وفيه مسامير

 

البدرشين: هدير حسن

المئات من الأهالي يصطفون في طابور، يكاد أن ينتهي اليوم، ولا تنتهي الصفوف.. معاناة حقيقة يتكبدها أهالي البدرشين كل يوم، بحثاً عن “لقمة العيش”، التي تحارب من أجلها، وتتحمل الكثير للحصول عليها، وحتى إن حصلت عليها بعد طول انتظار، ستتذكر أن معاناتك لم تنته عند هذا الحد، بل ممتدة لأخر نفس في عمرك، وستفنى أنت، وتظل “طوابير العيش” كما هي، ما بين إلقاء اللوم على المسئولين، واتهام الأهالي بأنهم يريدون الحصول على أكثر من حقوقهم، ليظل رغيف العيش المدعم، نقطة الخلاف بينهم، حتى يقول الدكتور هشام قنديل، رئيس الوزراء، ” يا بخت الغلابة بالعيش”.

 

لكن سمعة رغيف العيش المدعم لدى الغلابة، لا تحتاج لمن يحسدهم عليه، لأنه معروف بالرغيف صغير الحجم، سيء الطعم، غير مطابق للمواصفات، ولكن “المندرة” استطاعت أن تجد “العيش” الذي يقصده قنديل، حيث دلنا أهالي البدرشين على أحد المخابز، التي تصنع خبزاً وفقاً للمواصفات القياسية، ويقولون عن مدير المخبز “إحنا بيوتنا عمرانة بسببه”.

 

في البداية اعتقدت “المندرة” أنه مجرد تهويل من الأهالي، وقررت زيارة مخبز سليمان أبو خضر، ووجدته كعادة المخابز، المئات يصطفون في طوابير طويلة انتظارا للخبز.

 

تقول أم محمود، إحدى أهالي القرية، ” إحنا بنيجي هنا مخصوص عشان العيش نظيف وكبير غير المخابز التانية، اللي العيش فيها بيبقى عامل زى اللبانة، فيه ناس بتيجي من الطرفاية وميت رهينة، ومن أماكن بعيدة، مخصوص للفرن ده، بس المشكلة إن المخابز مش بتدينا بأكتر من جنيه واحد بس”.

 

في نفس السياق، يقول حمادة خليفة، أحد الأهالي، “أنا جاي من أبو النمرس مخصوص عشان أشتري منه، أينعم الدنيا بتبقى زحمة جداً، بس برضه هنا أحسن فرن على مستوى الجيزة كلها، وجودة العيش كويسة جداً، والعيش اللي في الأفران التانية، لو إشترناه منقدرش نأكله وبنديه للطيور، إنما الرغيف هنا يساوي جنيه، ده درجة أولى”.

 

ويقول صابر الصاوي، مدير مخبز سليمان أبو خضر، “أهم حاجة في الشغلانة ديه الضمير، وإحنا بنحاول نراعي ضميرنا، وبنعمل الرغيف زي ما القانون بيقول ووزنه مش بيقل عن 130 جرام”.

 

ويوضح الصاوي أن المخبز يعمل منذ عام 1985، وحصل قبل ذلك على شهادة أحسن مخبز على مستوى مركز البدرشين، من مجلس المدينة، مما أدى إلى حصوله على مكافأة شهرية، مشيراً إلى أن المخبز يحصل على 28 شكارة يومياً، ما يعادل 50 كيلو دقيق، وينتج بهم حوالي 14560 رغيف يومياً.

 

وعن تطوير المدعم ووقف تهريب الدقيق من المخابز، يقول مدير المخبز “أنا عندي اقتراح عشان يطوروا العيش المدعم، ومنسمعش كل شوية عن تهريب الدقيق، فكرت انهم يزودوا سعر شكارة الدقيق من 16 جنيه إلى 40 جنيه، وبالتالي سعر رغيف العيش المدعم هيزيد من 5 قروش إلى 10 قروش، والدولة ترفع الدعم عن الغاز للمخابز، وكده يدخل للدولة حوالي 4 مليارات جنيه”.

 

ويضيف الصاوي “المخالفات على المخابز بتكون درجات، أشدها المخبز اللي بيصنع عيش مش كويس، وبعدين مخالفة تانية على وزن الرغيف نفسه، والمخالفة الثالثة للمخابز المهربة للدقيق، ولو اتنفذ اقتراحي، الناس هتيجي أكتر من الأول، وتنتهي عمليات التهريب”.

 

وطبقاً للمواصفات القياسية، فإن رغيف الخبز البلدي المدعم يشترط أن يكون وزنه 130 جرام، وقطره لا يقل عن 20 سم بنسبة رطوبة لا تتجاوز 36%..

 

وفي محاولة للمقارنة، كان مخبز الشركة العامة لمخابز القاهرة الكبرى وجهتنا، وهناك قالت منال مجدي، إحدى الواقفات في إنتظار رغيف الخبز، “إحنا بنقف بالساعة والاتنين، عشان ناخد في الأخر عيش مليان مسامير ومش نضيف ونرميه، ولو روحنا مخبز تاني، مش هيدونا بأكتر من نص جنيه، إحنا وصلنا اننا بندفع رشوة عشان نأخد بأكتر من جنيه، وهما بيشيلوا العيش الحلو لمعارفهم ولمكتب التموين”.

 

من جانبها، تقول آية مجدي، إحدى الواقفات في الطابور، “الناس هنا ساعات بتضرب بعض عشان العيش، ويخلوا الناس الغلبانة تدفع رشاوي عشان تأخد العيش وهو محروق وميتأكلش، ويشيلوا الحلو لناس معينين”، ويتدخل هاني عاشور، مقاومة شعبية بالبدرشين، في الحوار، قائلاً “مفيش رقابة من مكتب التموين، وفيه إهمال كبير جداً، وكمان المخبز مش نضيف”.

 

وحول ما قيل عن إعطاء الرغيف الجيد لمكتب التموين، فقد أثير الكثير من الشكوك بالفعل، بعدما علمت “المندرة” أن مخبز القاهرة الكبرى يقع بالفعل بجوار مكتب التموين.

 

وبالنسبة للعاملين داخل المخبز، وما يرونه فيما يحدث، يقول فوزي إبراهيم، أحد العاملين بالمخبز، “إحنا بنعمل اللي علينا والناس هي سبب الأزمة، كل واحد بيبقى عاوز ياخد أكتر من حقه، ويعملوا زحمة قدام المخبز وصوتهم عالي ويتخانقوا، وعشان العيش رخيص ياخدوه ويأكلوه للطيور والحيوانات، إحنا المخبز الوحيد اللي بيشتغل من ستة الصبح لـستة المغرب، والمخابز التانية تقعد ساعة واحدة، وتهرب الدقيق اللي عندها وتبيعه، ويصل يومياً إلى المخبز 40 شكارة دقيق تصنع أكثر من 20 ألف رغيف”.

 

وعلى الجانب الأخر، حمل سيد سعد، مدير مخبز الشركة العامة لمخابز القاهرة الكبرى، هذه المشكلة إلى قلة العمالة، مؤكداً أنه طلب كثيراً من الجهات المختصة أن تمده بالعمالة، ولكن ما من مجيب.

وعن جودة رغيف الخبز ومقارنتها بالرغيف الذي يصنعه مخبز سليمان أبو خضر، يقول سعد “العيش ده أكبر لإنه طري، لكن مخبزنا ترخيصه عيش ملدن، وحجم الرغيف الملدن 110 جرام، وطبقاَ للمواصفات القياسية فرغيف الخبز البلدي الملدن، مينفعش ينقص وزنه عن 110 جرام، وقطره عن 20 سم”.

ومن بين تسعة مخابز بمدينة البدرشين، تناولنا مخبزين، كان الفرق بينهما واضح، ولكن إشتركا في عدم وجود رقابة، فإلى متى سيُترك رغيف الخبز لضمير، أو أمانة مدير المخبز والعاملين؟ وإلى متى سيتناسى المسئولون أن يقوموا بواجباتهم، ويتركوا المواطنين لأهواء العمال؟ ليصبح العثور على رغيف خبز مطابق للمواصفات.. درباً من الخيال.

You must be logged in to post a comment Login