‘‘الحلاليف’’ عزبة بني سويف التي تركتها الخنازير للقمامة

بني سويف: حمدي سليمان

علي بُعد كيلو ونصف من مدينة بني سويف، تلمح عيناك من على الطريق مكان تحيط به القمامة من جميع الاتجاهات، يضم بعض السيارات الصغيرة، التي تشبه ‘‘عربات الكارو’’، في مدخل هذا المكان، مُحملة بكراتين ومخلفات طعام وخلافه، وإذا سألت أي شخص على مقربة من هناك، سيجيبك باسمها بكل تلقائية.. إنها عزبة ‘‘الحلاليف’’.

 

الاسم لم يأت مصادفة أو يحمل معنى آخر غير الذي يدل عليه معناه الظاهر، فإنهم بالفعل يربّون ‘‘الحلاليف’’ أو الخنازير في القرية. ‘‘المندرة’’ توجهت إلى القرية الغريبة لتتعرف على حالها، الذي لم يعبر إلا عن البؤس والشقاء، فالقرية خالية حتى من مدرسة واحدة، او وحدة صحية أو مبنى حكومي، أو أي مظهر من مظاهر الحياة الكريمة.

 

بالتجول داخل القرية، عرفنا تاريخها وأسرارها، وكانت البداية مع هنري عزيز سعيد، الملقب بـ‘‘أبو ناير’’، وفي حرص وحذر شديدين، تحدث أبو ناير، 67 سنة، والذي كان متواجدًا في منطقة بين الزراعات خلف المنازل بالعزبة، تسمى ‘‘المنشر’’، وكان جالسا على كرسي بلاستيكي وأمامه عشرات النساء والصبية يفترشون الخبز الجاف علي مساحات شاسعة من الأرض تقارب الفدان، وكانوا في الغالب زوجات أولاده وأحفاده، خاصة وأنهم ينادونه بـ‘‘جدو’’.

 

بدأ أبو ناير يحكي قصة القرية قائلا ‘‘العزبة كانت في الأساس منزل واحد بس لجدنا قليني، كان راجل مسيحي، وجه من بلده في مركز البداري محافظة أسيوط، واستقر هنا في المكان التابع لحوض الشماس نمرة 5، تبع قرية الكوم الأحمر مركز بني سويف، وبدأ في تربية الحلاليف أو الخنازير، عشان يعيش من فلوسها، وكانت في الوقت ده متاحة، وبعدها أغلب أبناء العزبة عملوا زيه، واستمروا كده لعشرات السنين، لحد ما اشتهرت العزبة بإسم الحلاليف’’.

 

بعد صدور قرار حظر التربية، وانتشار مرض أنفلونزا الخنازير، أنهى أهالي العزبة، الذين يسكنون في 75 منزل هم كل ما تحتويه العزبة من منازل، تربية الخنازير، وعملوا في جمع الكراتين والزراعة، وأصبحت تدر عليهم دخلا متوسطا، خاصة حملة المؤهلات المتوسطة والدبلومات منهم، وهو السبب الذي يجعل كل منازل العزبة، تسكن أمامها عربة كارو أو ‘‘توكتوك’’، محمل بالكراتين الفارغة والمعدة للبيع.

 

رمضان ذكرى دانيال، 41 سنة، التقط أطراف الحديث من أبو ناير، وقال إنه منذ أن كان عمره 15 سنة، وهو يعمل في جمع القمامة وتربية الخنازير البلدي ذات اللون الأسود، حيث كان عليها الطلب للتصدير، فكانوا يجمعون القمامة لتكون غذاءً للخنازير التي تعيش علي بقايا الطعام والخبز والقشور عامة، خاصة في ظل عدم وجود أي فرص عمل سواء بالقطاع الحكومي أو الخاص، ولكن مع قرار منع تربية الخنازير اتجهت إلي مهنة جمع الكراتين من الشوارع والمحلات الكبرى والثلاجات وبيعها للتجار أو المصانع في القاهرة بنظام ‘‘البالة’’، والتي تزن 100 كيلو جرام.

 

يكثر عمل أهالي العزبة حاليا في الصيف أكثر من موسم الشتاء، لأن هناك مشاكل من الطبيعة تعيقهم، كالأمطار والأتربة التي تتسخ بسببها الكراتين، فيتم خصم ما يقارب 5%من قيمة البالة بسبب الأتربة أو المياه أو الأسمنت الذي يلتصق بالكراتين.

 

مهنتهم الحالية لها عدة مخاطر، حدثنا عنها رمضان دانيال، قائلا إنهم كثيرا ما يتعرضون للمخاطر جراء هذه المهنة، لكن ‘‘ما باليد حيلة فليس أمامي غيرها، فذات مرة كنت أبحث في الزبالة تحت كوبري السادات العلوي بمدينة بني سويف فوجدت مجموعة كراتين فارغة ومطبق بعضها علي البعض فاحتضنتهم كما هم بين أذرعي دون فرزهم، وأنا في الطريق وقبل أن أصل إلى العربة الكارو شعرت بحركة قوية داخل الكراتين وكادت الكراتين تنفلت من بين يدي وبالفعل ألقيتهم على الأرض، وإذا بثعبان كبير ضخم يخرج من بينهم فتركت الكراتين وجريت مسرعا من أمامه’’.

 

أضاف دانيال أنه عند ظهور أي حالة سرقة من العزب أو القرى المجاورة، يُتهم فيها شباب قريتهم، نظرا لخروجهم الدائم في أوقات متأخرة من الليل لجمع مخلفات المحلات من كراتين وخلافه، ويتم بناءً على ذلك مطاردتهم من شرطة المرافق والطرق وضباط الأحداث، خاصة لأن المهنة يعمل بها صبية دون السن.

 

روى رمضان ذكرى واحد من أهم المواقف التي صادفته أثناء جمع الكراتين، حيث كان يبحث في ‘‘كوم زبالة’’ منذ عدة سنوات، فوجد كرتونه نظيفة وعندما اقترب منها وفتحتها وجد فيها طفلا حديث الولادة، فائق الجمال، فأخذه بنفس كرتونته وحمله بعيدا عن القمامة ووضعه أمام أحد المساجد، ليلتقطه أحد المارة بمنطقة الرمد؛ خوفا من المسئولية، موضحا أن ضميره يؤنبه ولكن ‘‘ما باليد حيلة’’.

 

وبالرغم من أنهم يعلمون أن كل ما يقولونه يذهب سدى، وأن أحدًا لن يبالي بمعاناتهم، إلا أن أهل القرية ناشدوا المسئولين بالنظر بعين العطف إلي قريتهم المحرومة من جميع مظاهر الحياة، مطالبين بتوفير فرص عمل مناسبة وآمنة لهم، ليتركوا هذه المهنة التي تعرضهم لكثير من المخاطر.

You must be logged in to post a comment Login