‘‘الحظر’’ يعادي القراءة في أسيوط

**تراجع حركة الشراء بنسبة 90% في دار المعارف بسبب الحظر وأكشاك الجرائد تشكو غياب القطارات

**‘‘ألِف’’ تتخطى الأزمة عن طريق ‘‘فيسبوك وتويتر’’

 

أسيوط: رشا هاشم

سلسلة التأثير والتأثر لا تكاد تظهر ملامحها في شيء هام حتى نجدها في آخر أهم، حيث أثرت فترة حظر التجول الذي فُرض على البلاد في الثلاثة أشهر الأخيرة، على نسبة مبيعات الكتب بأسيوط، وذلك نتيجة توقف حركة القطارات، وهو ما صاحب فترة الحظر، بحيث لم يعد الإقبال على محطة القطار، بما فيها من أكشاك بيع كانت تشهد إقبالا كثيفا، كما كان، وقلل التكثيف الأمني، من الإقبال على أماكن أخرى، وهو ما حاولت ‘‘المندرة’’ أن ترصده في السطور التالية.

 

في البداية، قال الكاتب أحمد مصطفى علي، عضو مركز إعلام أبو تيج، إن الحركة الثقافية في أسيوط، وخاصة المتعلقة بالقراءة ودور النشر، ضعيفة، حيث لا يوجد سوى أربع مكتبات يمكن أن نصفها بأنها مهتمة بالكتب والقراءة، فهناك مكتبات البيع الخاصة ومنها مكتبتين في أسيوط، الأولى هي مكتبة ‘‘ألِف’’، وتبيع إصدارات عدد من دور النشر مثل دار الشروق ونهضة مصر، وأحيانا إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة.

 

المكتبة الثانية هي ‘‘تذوق طعم القراءة’’، وهي تجربة شخصية خاصة بالشاب مصطفـى كمال، ولها مكتب بيع دائم، واستحدثت تجربة الاستعارة الخارجية، لتحث المواطنين على القراءة، فضلاً عن إعادة بيع الكتب القديمة بأسعار رمزية، بجانب بيع إصدارات دور النشر الكبرى مثل ‘‘اكتب والشروق ونهضة مصر’’. أما مكتبات البيع الحكومية فيوجد اثنين أيضا في المحافظة، الأولى مكتبة ‘‘دار المعارف’’، وتتولى بيع مطبوعات وإصدارات دار المعارف فقط، والثانية ‘‘الهيئة العامة المصرية للكتاب’’، وهي منفذ بيع للكتب فقط.

 

المُدعم يكسب

الأديب حمدي سعيد، مدير مركز أحمد بهاء الدين الثقافي بأسيوط، أوضح أن هناك إقبال على الكتب المدعمة من الدولة في ظل ضعف الإمكانيات المادية، مقابل ارتفاع أسعار الكتب في أسيوط، فمثلاً كتاب مثل ‘‘المواقف والمخاطبات’’ نفذت إصداراته في شهر واحد، وهو كتاب قيم وجديد يتحدث عن الصوفية، من إصدارات مكتبة الأسرة بالهيئة العامة للكتاب، وهذه السلسلة لها رواج كثيف، لقلة سعرها، حيث لا يتجاوز ثمن أغلى كتاب 10 جنيهات، فنجد إقبال من المثقفين على الشراء والاقتناء والاستفادة من المعارف الموجودة في مثل هذه الكتب.

 

أشار سعيد إلى أن أسعار كتب دور النشر الخاصة مرتفعة بالنسبة لكثيرين، حيث يصل أقل سعر لكتاب من إصدارات دار المعارف إلى أكثر من 10 أضعاف (50 جنيه) سعر كتب الهيئات الحكومية (5 جنيه)، فيتجاوز 20 ضعف سعر كتب مكتبة الأسرة. أما الباحث أحمد عبد المتجلي، المحامي بإقليم وسط وجنوب الثقافي، فأكد أنه لا يستطيع أن يقول إن هناك دور نشر في أسيوط، ولكن هناك مطابع ضعيفة الإمكانيات الفنية، حيث الإنفاق على الثقافة محدود للغاية مقارنة بالقاهرة، كما أن قلة عدد الكُتاب في أسيوط من ضمن الأسباب لتفضيلهم التردد على دور النشر بالقاهرة، لإمكانيات الطباعة الفاخرة والمتعددة ودور النشر الكبرى.

 

تقصير شديد

ألمح عبد المتجلي إلى أن هناك تقصير من المسئولين عن الثقافة في مصر بعدم التعاون بين الهيئات الثقافية المهتمة بالشأن الثقافي العام، وخاصة فيما يتعلق بإصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة والمجلس الأعلى للثقافة، متسائلا ‘‘كيف يُعقل أن يكون هناك فروع لها في محافظات أقل كثافة سكانية مثل بني سويف ولا يوجد في أسيوط!’’.

 

من ناحيته، أكد القاص أحمد راشد البطل، مؤسس نادي القصة بالمحافظة، أن أسيوط من المحافظات المنخفضة نسبة القراءة فيها أو الإقبال على شراء الكتب عامة، وذلك لارتفاع نسبة الأمية بين المواطنين، والتي تقترب من الـ50%، فضلاً عن ارتفاع نسبة الفقر المدقع الذي كسر حاجز الـ68% بين أهالي محافظة أسيوط، بالإضافة إلى ضعف التعليم المعرفي، وهو أمر وثيق الصلة بالوضع العام في جميع أنحاء الجمهورية بل والوطن العربي، حيث لا تتجاوز معدلات القراءة العامة والحرة للفرد الواحد أكثر من 20 دقيقة في العام، مقارنة بالمواطن الأوروبي الذي تصل مدة قراءته إلى 365 ساعة في العام بمعدل ساعة يوميا، و300 ساعة للمواطن الإسرائيلي، و270 ساعة للمواطن الأمريكي في العام، وهو ما ينذر بكارثة حقيقية على وضع الثقافة عامة والقراءة خاصة في الوطن العربي، بحسب قوله.

 

للدراسة فقط

أما بالنسبة للطلاب، فقال ‘‘ليدر’’ طالب بكلية الآداب جامعة أسيوط، إنه يشتري كتبه من مكتبة الشباب أو مكتبة فخري عوذه، وهي كتب في مجال دارسته، ورأى أن القراءة بدأت تقل نسبيا وتقتصر على فئة أعضاء هيئة التدريس والطبقة المثقفة دون الطبقة المتوسطة، لأنها تهتم بتلبية أولوياتها الأساسية من مسكن ومأكل ومشرب، على أنها أولى من شراء الكتب، موضحا أنه لم يستخدم الطرق الإليكترونية في اقتناء كتبه.

 

افترش ‘‘عم صابر’’ أحد أرصفة وسط البلد، بكتبه التي رأى أن هناك إقبالا على شرائها، والتي يأت بها من مختلف دور النشر بالمحافظة، ومع أول وأشهر كشك لبيع الجرائد والكتب من أمام المحطة بأسيوط، قال علاء سيد الدرنكي، الشهير بـ‘‘الدرنكي’’، إنه يوجد إقبال كثيف على بيع الكتب وخاصة للطلاب أثناء العام الدراسي، مستدركا أن الإقبال على شراء الكتب في السنوات الماضية كان أكثر من الآن، بسبب حركة القطارات، ولأن الحالة الاقتصادية للمواطن كانت أفضل، موضحا أنه يهتم بتجديد الكتب كل فترة، بالتعامل مع مختلف دور النشر، ويبيع كافة أنواع الكتب من الاقتصاد المنزلي والسياسة والتنمية البشرية، وهي الأكثر مبيعا لديه.

 

عبد الخالق المهدي، مسئول دار المعارف الجديدة بعمارات الأوقاف عند ميدان البنوك، أوضح أن الكتب تأتي من إدارة المشتريات بدار المعارف بعد كشف جرد المبيعات السنوية لمعرفة الكتب التي حققت أكثر مبيعات، وهي من مختلف دور النشر وليست قاصرة على إصدارات دار المعارف. وكان من الملفت للنظر، وجود كتب يرجع تاريخ إصدارها لعام 1984، وارتفاع أسعار الكتب هناك عن نظيرتها بالسوق، وهو ما فسره المهدي بأن الناشر لا يُحصّل ثمن الكتب إلا بعد عرضها، وذلك من خلال كشف المرتجع بالمخازن بعد مدة زمنية يحددها الناشر، لذلك يقوم برفع أسعارها.

 

سبب الركود

ندرة وجود زبائن بالمكتبة، أمر علله المهدي بحظر التجول الذي فُرض على مصر لمدة قاربت ثلاثة أشهر، حيث أثر على الإقبال بنسبة 90%، بالإضافة إلى الأعمدة الحديدية التي تعيق الزبائن عن ركن سياراتهم أمام المكتبة، حيث تكثف مديرية الأمن جهودها في هذه المنطقة عن طريق الأعمدة الحديدية، وأضاف متحدثا عن سبب ركود الأحوال ‘‘الواحد يشتري بقوت يومه أكل لأولاده ولّا يدخل عليهم بكتاب!’’، موضحا أن أغلب المترددين على المكتبة من الطلبة وأعضاء هيئة التدريس والسلك الدبلوماسي.

 

وعلي الرغم من ندرة إقبال الطبقة المتوسطة ومحدودي الدخل على شراء الكتب، إلا أن مكتبة دار المعارف تخص أعضاء هيئة التدريس والطلاب وأصحاب المكتبات بخصومات تصل لـ20% لإصداراتها، و10% لأي إصدارات أخرى.

 

على الطريقة الحديثة

وللوهلة الأولى عند دخولك مكتبة ‘‘ألِف’’، المكتبة الكبرى الوحيدة في أسيوط، تجدها تتسم بالطابع الكلاسيكي القديم، وهو عكس الأسلوب الحديث الذي تستخدمه في التعامل مع القراء، حيث أوضح أن المكتبة توفر خدمة التواصل عبر صفحات التواصل الاجتماعي ‘‘فيسبوك’’ و‘‘تويتر’’، بحيث يختار القارئ ويحدد الكتاب الذي يريد، وتقوم المكتبة بتوصيله عن طريق الشحن، وهي الخاصية التي لا توفرها أي مكتبة أخرى بالمحافظة، من بينها دار المعارف، أو حتى أكشاك البيع الشهيرة مثل ‘‘الدرنكي’’.

 

المكتبة، التي افتتح فرعها في أسيوط مايو الماضي، لا توفر إمكانية الاستعارة، ولكن في المقابل يوجد 40 كتابا محددين يمكن قرائتهم داخل المكتبة، والإقبال على المكتبة متسوط، بالنسبة لحضور القراء للشراء عبر المقر، بخلاف البيع الإليكتروني الذي يُنشط حركة البيع أكثر. وعن عدم وجود ‘‘كافيه’’ بفرع أسيوط على غرار القاهرة، فسر أمين ذلك بضيق المساحة مقارنة بفرع القاهرة الذي يتكون من ثلاثة طوابق، أما عن الأسعار فقال إن الكتب مُسعّرة من قبل دار النشر التابعة لكل كتاب.

 

You must be logged in to post a comment Login