الحداد البلدي في الوادي الجديد.. مهنة مهددة بالانقراض

**مهنة شاقة لصناعة الطواري وأدوات الحقل

**المنتجات الصينية رخيصة الثمن تهدد بانقراض صناعات “الكور” 

الوادي الجديد: محمد حسنين

الحداد البلدي مهنة توارثتها الأجيال في الواحات, من أسرة كانت شغلها الشاغل تشكيل الحديد لصناعة الطواري والمناجل وأدوات الحقل, وسلكت الأجيال ذات النهج لتصبح تلك الصناعة علامة مميزة لمراكز الوادي الجديد وخاصة مركزي الواحات الخارجة والداخلة.

ليست المهنة معقدة أو مكلفة, مثلها في ذلك مثل الكثير من عادات ومهن أهل محافظات , فكما لا تحتاج صناعة الفخار إلا إلى الطمي والنار وبعض الآلات البدائئية, كذلك تمتاز مهنة الحدادة البلدي بالبساطة والحاجة إلى قدرات ومهارات معينة للتعامل مع ’’فرن النار البلدي’’ والذي يعد الآلة التي بإمكانها إذابة الحديد.

 

خليط من الصبر وقوة البدنية ومهارة التعامل مع النار والحديد, يظهر على وجوه الحدادين, وهذا حال معظم أهالي الواحات منذ القدم, تقوم حرفتهم على أدوات بسيطة مثل الشاكوش والفحم وبناء من الطين يسمى لديهم بـ’’الكور’’ تحمى فيه النيران ويعلوه باب مستدير من الحديد متصل بسلسلة نهايتها يمسكها أحدهم ليحركها باستمرار كي تنفخ الهواء في النار فتزداد استعارا, ويقف أمام ’’الكور’’ رجل آخر يشكل الحديد المنصهر.

 

مصدر رزق ومهنة شاقة

أوضح ناصر محمد من سكان قرية القصر الإسلامية, ويعمل مدرسا, أن تلك المهنة ورثوها عن أجدادهم, واصفا إياها بالمهنة الشاقة التي لا غنى عنها, معتبرا أنها فرصة عمل مضمونة لأولاده الذين لا يجدون عمل بشهاداتهم التي حصلوا عليها.

وقال عبد الرحيم النجار من منطقة المنيرة, إن ’’الحدادة’’ كانت مهنتهم الوحيدة إلى جانب النجارة, حيث لا يخلو منزل في الواحات إلا وفيه طورية أومنجل أوفاس وكلها أدوات يستخدمها الفلاح في الحقل ويصنعها الحداد البلدي الذي يقوم باستخدام الحديد من خامات قديمة يقوم بصهرها بالكور والفحم.

 

وأضاف أن والده كان يمتلك ورشة يقوم من خلالها بتصنيع المناجل التى تستخدم في الزراعة قبل ظهور الأدوات الجاهزة المستوردة, بينما رأى أحمد محمد نصر, من قرية القصر, أن حرفة الحدادة البلدي وظيفة بالنسبة له وهو يعتبر نفسه موظفا في الكور, مؤكدا أنه كون ذاته وتزوج من خلال عمله في الكور ويدرب أبنائه حاليا لاتقان المهنة.

 

ومن جانبه, نوه الأستاذ أحمد مسعود الحداد البلدي, أن السيدات أيضا يساعدون الرجال في هذه الصناعة, ولأن الكور يحتاج إلى ’’نفّاخ’’, وهو الشخص الذي يحرك سلسلة الكور باستمرار لزيادة الهواء ومن ثم زيادة حدة اشتعال النيران لذوبان أسرع وأسهل للحديد أو النحاس, فكان الرجل يستعين بزوجته لتقوم بتلك المهمة, في حين يستخدم هو أدواته للطرق على الحديد وتشكيله وهو ساخن.

وذكر مسعود أن الطابع الغالب على ’’الأكوار’’ التي توجد بالوادي الجديد, هو البساطة الشديدة, حيث يقام في أماكن فقيرة في أزقة وحارات الواحات وبامكانات قليلة, ولا يوجد تراخيص لهذه الورش حيث أن أهلها معروفون لدى الجميع وأسماؤهم معروفة.

 


 

كابوس الصناعات المستوردة

أكد الحاج بخيت سيد صاحب ’’كور’’ أنه علّم أبنائه السبعة أصول المهنة, مشيرا إلى أنه كانت لديه ورشة بأحد أحياء الواحات الخارجة القديمة بدرب النجارين, بالشراكة مع أخواته الخمسة, حيث كان العمل داخل الكور بالتناوب فيما بينهم.

وذكر بخيت أن الطلب على الأدوات التى تنتجها الورشة كبير, معلقا ’’كنا نعمل طوال النهار في أعمال الشرشرة للمناجل التى كان يستخدمها الفلاح’’, وأنه كان يقوم بصناعة المنجل من سوستة قديمة كان يحصل عليها من سيارات النقل المتهالكة وكانت بالنسبة له كنز وليست قطع متهالكة.

 

وبسبب الأدوات المستوردة, أكد بخيت أنه وإخوته قرروا اغلاق ’’الكور’’ بسبب عدم إقبال المزارعين على المناجل المصنعة يدويا واستسهال شراء المناجل المستوردة المباعة بالأسواق من إنتاج صيني لكونها أرخص وأسهل من المنجل البلدي, موضحا أن المنجل البلدي أغلى منه لأنه يستهلك وقت وجهد كبيرين لإنتاجه لدرجة أن المنجل البلدي الواحد يمكن شراء أكثر من عشرة مناجل صينية بثمنه.

 

وعن استخدامات المنجل, قال الحاج بخيت أن المنجل اليدوي يستخدمه الفلاح في ’’تلييف النخيل’’ بلهجة ابن الواحات, أى تقليمه, فيما أشار محمود سيد أنه يعمل في كور والده بمنطقة السبط منذ صغره وحتى الآن, حيث كان يعمل والده ذات المهنة, واصفا أنها ’’مهنة الأنبياء’’ ولاعيب من العمل بها.

وفي نفس السياق, أضاف عوض حماد, أحد العاملين بالمهنة أنه يمتلك ويدير ورشة حديثة في السوق يعرض فيها بعض الأدوات التي يستخدمها الفلاح, لكن الإقبال على الصناعات المستوردة جعل الصناعات اليدوية غير مفضلة لدى العديد.

 

You must be logged in to post a comment Login