الحج.. رحلة العمر في لوحات على الجدران

المندرة: مها صلاح الدين

في صعيد مصر، يحلم الأهالي بتلك الرحلة لأعوام طويلة، فيدخرون من أجلها سنين طويلة، من العافية والمال، ما يكفيهم لإتمامها، هي رحلة الحج، التي تختلف بالنسبة للإنسان المصري والصعيدي بالأخص عن أي إنسان آخر، فهي ليست مجرد رحلة، بينما هي الركن الخامس من أركان الإسلام الخمس، الذي إذا أقامه الإنسان، أقام دينه.

 

اهتم المصري، والصعيدي بالأخص، بتأريخ تلك الرحلة، لما لها من مكانة خاصة، من أول الاستعداد لها، حتى العودة منها، واستئناف حياته في رحاب نورها، ولأن ليس كل مصري يقوى على كتابة مذكراته، وجمعها وطباعتها في كتاب، لتأريخ تلك الحظات التي تجمع بين الفخر، والتباهي، والروحانية، فضل المواطن الجنوبي أن تكون وسيلته أطول عمرًا، وأقل تكلفةً، فاستبدل ذلك برسم جميع أركان رحلته، أو الأقرب منها لقلبه على جدران منزله، تفاخرًا بها، كما أنه يريد أن يكون قدوة بالنسبة إلى أبنائه، لتكون تلك الرحلة هي أكبر أحلامهم، التي يسعون إليها على مرمى الحياة، مما دفع الكاتبان، آن باركر، وآفون نايل، اللذان درسا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، يجوبون رحلة الحج في صعيد مصر بين صفحات كتابهم، Folk art of the great pilgrimage .. Hajj Paintings، “لوحات الحج .. الرحلة العظيمة في الفن الشعبي”، بعد انتهاءهم من جمع تلك اللوحات وحكاياتها، في جولة من القاهرة إلى آسوان.

 

بدأ رسم مظاهر الحج على جدران البيوت كهواية، يقوم بها أصحاب المنزل، ممن يجيدون الرسم، أو من يقومون بواجب التهنئة للحاج، فنرى مثلًا في قنا، رسومات على واجهة منزل للكعبة المشرفة، واسم الحاج، وكتابة عبارات مثل، “حج مبرور وذنب مغفور”، ثم تطور الأمر ليصبح أكثر إتقانًا وحرفيةً، ويستغرق من الوقت فترة أطول، فبدأ رسم مراسم الحج على جدران المنازل، كحرفة وتجارة، يقوم بها الخطاطون والنقاشون، فيرسمون قصة الحج على جميع جدران المنزل، من بداية تمنيه للرحلة، والتحضير إليها، وارتدائه ملابس الإحرام، وتحضير الحقائب للسفر، بل ووسائل الانتقال أيضًا.

 

إنتقل الأمر، من فكرة المهنة والتجارة إلى مرتبة الفن، حيث أصبح رسم مراسم الحج فنا مستقلا بذاته، وله متخصصيه، لم يستطع التاريخ بالطبع تحديد الفترة الزمنية التي استهل فيها هذا الفن طريقه، فهناك من أرجعوه إلى العصور العثمانية، أو قبل ذلك، إلا أن فكرة الرسم على الأحجار والجدران في مصر قد بدت قبل ذلك الوقت بكثير، حيث الرسومات على جدران معابد وبيوت الفراعنة، والإنسان البسيط في العصر الفرعوني، والرسومات على الجدران النوبية، وتأريخ مظاهرهم الحياتية في صعيد مصر، ومن ثم يقع ظلم إذا صدقنا ذلك الزعم الذي يعول ذلك الفن على العصر العثماني فحسب، وإذا بفن رسم مراسم الحج، له أساتذته ومدارسه في صعيد مصر، الذين لم يكتفوا برسم مراسم الحج على جدران منازل الحجاج، بل وعلى المتاجر، والكتاتيب أيضًا.

 

وعني الحاج المصري بتخليد مظاهر آدائه للفريضة، في أوقات دعائه، وتلبيته لنداء الله “لبيك اللهم لبيك”، وتأدية صلاواته، كما خلد كل ركن من أركان الحج على جدار من جدران منزله، ومنهم من قسمهم بالأمكنة، فبالتأكيد عني برسم الكعبة المشرفة على أحد الجدران، ورسم نفسه أثناء الطواف، وتقبيل الحجر الأسود، ومن ثم انتقل في جدار آخر لرحلته في منى، حيث رسم خيمته، ونفسه أثناء رمي الجمرات، وانتقل بعد ذلك لجولته في عرفات، ممثلًا ذلك في رسم الجبل، وبعض الجمل، مثل “الحج عرفة”، ومن ثم انتقل إلى المدينة المنورة في جولته بمسجد الرسول، وقبره، مستشهدا في وجوب ذلك بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم “من حج ولم يزرني، فقد جفاني”.

 

ومن فرط سعادته بتلك اللحظة، اهتم الحاج بتأريخ مظاهر فرحته أيضًا، سواء بمظاهر النحر، أو شراء الهدايا والمقتنيات للأهل والأصدقاء والأقارب، وعودته من الحج محملاً بما يسعد أهله وعشيرته، كما خلد مظاهر العيد في منزله، والتي تتمثل في فرحة الأطفال، ورسمهم على الجدران، وهم يرتدون ملابس تماثل ملابس الإحرام، ويصلون، ومظهر النساء الصعيديات في ملابس العيد ذات الألوان الزاهية، مع الحلى البارزة الكبيرة، لتكون مشهدا مكملا للوحة الفنية على جدران المنزل، واللائي نجدهن يتجمعن في منزل الحاج، كبير العائلة، الذي يمكن أن يجعلوا إسمه لقبًا للعائلة باعتباره فخرًا لها، لتحضير الوجبات التقليدية لتلك المناسبة، وإتمام مظاهر النحر، والطهي.

 

ومنذ زمن قريب، أصبح الأمر ليس تجسيدًا للرحلة على الجدران فحزب، بل تم ربطها بالحضارة المصرية، كرسم الحاج بالزي الفرعوني على الجدران، ورسم وسائل النقل التي تنقل بها الحاج، مثل الطائرة، أو الباخرة، أو القطار، أو حتى الاعتزاز بوسائل قديمة مثل الجمل مثلًا، فيما وجدت بعض الرسومات في النوبة للكعبة متعامدة عليها الشمس في موسم الحج، أسوة بتعامد الشمس على معبد أبو سمبل في وقت معين من العام، كما نجد مثل ذلك الأشكال على جدران البازارات والحانات السياحية في إسنا بالأقصر، والنوبة.

 

ولم تنتهِ رحلة الحاج على الجدران بمجرد انتهاء المناسك، بل استمرت معه في احتفالات أهله به في العودة، وتقديم اللحوم والشربات، والرقص بالأحصنة، على أنغام الطبل والمزامير، التي تعد عادة متأصلة عند العودة من رحلة الحج بين أهالي ، ومن ثم، تمثل على الجدران الحاج وهو يستأنف حياته وعمله وهو مكلل بروحانيات تلك الرحلة المباركة.

 

You must be logged in to post a comment Login