الثورة تُبدد حلم “تطون” في الثراء وتُعيدها إلى رحلة الموت

** بعد ‘‘الرخاء الإيطالي’’.. القرية تعود رمزًا للفقر

 

الفيوم: ولاء كيلانى

“أفقر من ”، كان مثلًا يُضرب في الفقر المُدقع، حين كانت “”، إحدى قرى محافظة الفيوم، نموذجًا للفقر، حتى تحولت إلى رمز من رموز الثراء الفاحش، بعد أن هاجر ربع سكانها إلى إيطاليا، وحلت الفيلات الفاخرة ذات الطراز الإيطالي محل المنازل المتواضعة، فيما انتشرت المحال التي تحمل أسماء إيطالية مثل “دريم روما” و”ميلانو كلين”، إلا أن الحال عاد إلى ما كان عليه.

 

لم يعُد السفر إلى إيطاليا يُحقق حلم الثراء لشباب “قرية تطون” التى تعد من أقدم وأكبر وأفقر قرى مركز إطسا بالفيوم، والتى يبلغ عدد سكانها حوالي سبعون ألف نسمة أو أكثر، بالبلدان التابعة لها والتي تعتمد فى اقتصادها على بعض الزراعات الموسمية- كمصدر أساسي- بجانب التجارة، وذلك بعد أن أصبح السفر فى الآونة الأخيرة إلى أوروبا وإيطاليا تحديدا مصدرًا من أهم مصادر الدخل لأبنائها، حيث تعتمد هذه القرية على الهجرة إلى إيطاليا منذ السبعينيات من القرن الماضى، والتى كانت هجرة شرعية، حيث كان أمر الحصول على التأشيرة سهلاً وميسورًا.

 

وكان تغيُّر التركيبة الاجتماعية للقرية، من حيث الارتفاع الجنوني لأسعار الأراضي والعقارات، بالإضافة إلى مهور الزواج، أحد الأسباب الرئيسية لضياع حلم الثراء، فالشاب يقوم بالهجرة غير الشرعية، متكبدا عناء السفر وتحمُّل المخاطر في سبيل تحقيق حلمه بتوفير مبلغ من المال يستطيع من خلاله شراء قطعة أرض ليبني عليها منزلًا ويتزوج ويبدأ بعمل مشروع صغير يعيش من خلاله ويحقق له قدرًا من الراحة تعوضه عن ما لاقاه من عناء خلال سنوات الغربة، إلا أنه يعود ليجد أن الحياة قد تبدلت ويذهب ما قام بجمعه سُدًى.

 

وقد وصل الأمر فى ظل إرتفاع الأسعار إلى أن يقوم الشاب بشراء “شبكة” لا تقل فى قيمتها عن خمسين ألف جنيه، ومن لم يستطع فعليه السفر إلى إيطاليا، فهو جواز المرور إلى أي فتاة في القرية وأهلها، حيث يُقابَل العريس بالترحاب، من أكبر العائلات إن كان من المهاجرين إلى إيطاليا، وكم من زيجات فشلت بسبب عجز الشباب عن الهجرة.

 

يقول محمد علي، أحد المواطنين بقرية تطون، إن نسبة عودة الشباب الـ”تطونى” من إيطاليا، ارتفعت خلال العامين الأخيرين، بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة فى أوروبا، إلى جانب منافسة العمالة من أوروبا الشرقية، التي دخلت معظم بلادها الاتحاد الأوروبي، والتى تلقى قبولًا للعمل هناك أكثر من العمالة المصرية.

 

وأشار إلى أن الشباب وأهليهم يتحملون الكثير والكثير من أجل سفرهم للخارج حيث يقومون ببيع قطعة الأرض الوحيدة التى تملكها العائلة والمشغولات الذهبية الخاصة بشقيقاتهم وأمهاتهم ثم يهاجرون بشكل غير شرعي عن طريق دفع مبلغ مالي إلى السمسار الذى يأخذهم إلى مكان يسمى “التخزين” وهو مكان أشبه بالسجن، ويظل فيه الشاب من 12 إلى 15 يومًا لحين وقت السفر، وعندما يحين الوقت المناسب من حيث حالة الطقس وإرتفاع الموج؛ يتم شحن حوالي مائة وعشرين فردًا أو يزيدون فى مركب صيد، ويتم وضعهم بجوار المحركات أسفل المركب، وتنقلهم المركب إلى مالطة ثم يركبون “لنشات” إلى السواحل الإيطالية، وتقذفهم فى المياه قبل السواحل بمسافة تصل إلى كيلو متر، فيسبحوا إلى الشواطئ الإيطالية.

 

وأوضح أن المركب قد تتعرض لأي مخاطر وهي في عرض البحر، أو مهاجمة من الشرطة الليبية أو الإيطالية فيقوم صاحب المركب في الغالب بإغراق المركب بمن عليها ويموت الجميع ولا أحد يعرف عنهم شيئا‏، أو قد يخاطرون بالسباحة لآلاف الكيلومترات فى عرض البحر، وكثيرًا ما يتم ضبطهم وترحيلهم إلى مصر، مشيرًا إلى أن أغلب الشباب كان يحلم بالثراء، مثل أبناء القرية الذين تمكنوا من الإفلات واستطاعوا أن يسافروا منذ عدة سنوات.

 

ومن جانبه، يؤكد الحاج محمد عمر، أحد أهالى القرية، عودة أغلب الشباب إلى القرية وأن عدد المهاجرين إلى إيطاليا قلَّ كثيرًا، ومن نجح منهم فى السفر مرة؛ يتم ضبطه فى المرة الأخرى وتقوم السلطات الإيطالية بترحيله، لافتًا إلى أنه مَّر بهذه التجربة منذ عامين، كما عايشها ابنه “أحمد” خريج دبلوم التجارة، والذى مكث فى المنزل ثلاث سنوات بدون عمل بعد تخرجه، ولم يكن له مصدر آخر للرزق، الأمر الذى اضطره إلى السفر للخارج لتحقيق ذاته، بالإضافة إلى شعوره بالغيرة من أقرانه بالقرية الذين نجحوا فى السفر وحققوا حلمهم فى الثراء.

 

وأضاف أنه هو الآخر نجح فى السفر إلى إيطاليا عبر الحدود الليبية، وبطريقة غير شرعية، وبعد أن شارف على الوصول تم الإمساك به وترحيله من قِبَل السلطات الإيطالية التى أصبحت أكثر حيطًة وحذرًا تجاه المهاجرين غير الشرعيين، وخاصة المصريين، بسبب ما حدث فى مصر بعد الثورة، وما تردد عن الإنفلات الأمنى، وتهريب السلاح.

 

أما شيماء أحمد، إحدى الفتيات بالقرية، فتقول إنها حاليًا مخطوبة لأحد الشباب الذي كان يعمل منذ ستة أعوام فى إيطاليا، ولكنه عاد مرة أخرى منذ عام، بعد أن أصبحت الأوضاع غير مستقرة، بالإضافة إلى أن السلطات الإيطالية أصبحت أكثر تضييقًا على المهاجرين، فلم يستطع أحد من أبناء القرية أن يسافر بعد الثورة رغم المعاناة التى يتحملونها جراء الأوضاع الإقتصادية الصعبة.

 

وأشارت إلى أن طبيعة عمل خطيبها خلال السنوات التى قضاها فى إيطاليا، عبارة عن أعمال السباكة والبناء والحدادة والنجارة وغيرها من الحرف‏، لافتًة إلى أنه كان يحصل على نحو‏150‏ يورو فى الساعة مقابل هذه الأعمال، والقيام بأعمال أخرى إضافية لصاحب العمل‏.‏

 

وأوضحت أن خطيبها حاول أن يؤسس مشروعًا بالمال الذى جناه طوال السنوات الستة فى إيطاليا، لأنه لم يجد وظيفة بعد عودته إلى مصر، وقام بفتح محل أدوات منزلية بالفيوم، مشيرة إلى أن الأحوال بصفة عامة غير مستقرة وغير مشجعة لعمل تلك المشاريع، من مظاهرات ومسيرات، بالإضافة إلى الأوضاع الإقتصادية بالبلد، التى خلقت ركودًا فى عملية البيع والشراء وبالتالي لم يحقق دخلًا جيدًا من المشروع، وأصبح يعيش على “تحويشة العمر”.

 

وعن الأوضاع الاجتماعية فى القرية وتأثيرها على الزواج، أوضحت شيماء أن الأوضاع فى الريف بصفة عامة تختلف عن المدينة، فالعريس هو من يقوم بـ”كل المصاريف” من الشقة والجهاز، إلا أن المهر فى قريتهم يتعدى المائة ألف جنيه، بخلاف الشبكة، كما أن العادات تُلزم العريس بأن يكتب للعروس مؤخر صداق يقدر بـ 20 ألف جنيه، فأغلب العائلات المعروفة فى القرية لا تقبل بأقل من ذلك المبلغ، أما العائلات البسيطة والمتوسطة الحال، فهى تشارك فى الجهاز وتقبل بمهٍر أقل من ذلك.

 

ولفتت إلى أنه بالرغم من كل هذه المعاناة إلا أن شباب القرية ما زالوا يحلمون بالسفر إلى إيطاليا لتحقيق حلم الثراء السريع فى رحلة الموت، التى إما أن تنتهى بالترحيل أو السجن، أو إبتلاعهم في ماء البحر، في ظل عجز الحكومة عن توفير فرص عمل للشباب الذى التهمته البطالة.

 

You must be logged in to post a comment Login