التحرش بالصعيد.. هل توقفه العادات والتقاليد الصارمة؟

صورة أرشيفية

صورة أرشيفية

الجيزة: هدير حسن

بني سويف: عماد حمدي

سوهاج: كريمة مهران وشيماء دراز

بعد أن أصبحت ظاهرة التحرش حديث الشارع المصري وخصوصا في العاصمة، رصدت “المندرة” الظاهرة في بعض المناطق جنوب مصر، للوقوف على مدى انتشار التحرش عند أهل الصعيد الذين يعظمون من شرف البنت وأحيانا ما تتطور المسائل المتعلقة بالـ”عِرض” إلى الدماء، أخذا بثأر الشرف، وهو ما يجعل الشاب الصعيدي يفكر كثيراً قبل أن يقوم بذلك، على عكس القاهرة، وذلك لمعرفته بأن رد الفعل قد يكون قاسياً، ومن الممكن أن يصل إلى القتل.

 

في أولى مدن جنوب الجيزة، الحوامدية، التي تقترب الحياة فيها من الحياة في القرى الريفية، حيث الجميع يعرفون بعضهم البعض، فيكون من الطبيعي أن ظاهرة مثل التحرش قد لا تجد مكاناً هناك، لكن مع سؤال بعض طالبات المدارس الثانوية بالحوامدية، أثبتن العكس، وأكدن على وجود الظاهرة بكثرة، حيث تقول إحدى الفتيات، رفضت ذكر اسمها، “الأولاد دايماً بيكونوا واقفلينا قدام المدرسة بالتكاتك، وينادوا علينا ويحاولوا يخبطونا، فيه بنات بتستجيب وهما دول اللي بيخلوهم يتمادوا، لكن إحنا بنتجاهلهم”.

 

وأكدت نورهان رمضان، طالبة، على انتشار التحرش بالحوامدية بالطريقة التي جعلتها تضيق بالنزول للشارع، “أنا مش عارفة ليه الولاد بيعملوا كده، يعني أنا وأصحابي كنا ماشيين مرة على كوبري الحوامدية قام ولد كان راكب توكتوك شد الجيبة لصاحبتي، وواحد تاني حاول يوقعني، مع إن لبسنا محترم ومش ملفت زي بنات تانية”.

 

وعلى الجانب الآخر، كان يقف أولياء الأمور وكبار السن، منهم من أنكر وجود أي شكاوى بخصوص التحرش، ومنهم من اعتبر أن البنات هن السبب وأن الرجال معذورون، فقالت أم أيمن “الكلام ده إشاعات إحنا بلدنا هادية، وأي حاجة من دي بيبقى سببها البنت ولبسها ومشيتها”.

 

ورأى الحاج أحمد أبو ربيع، صاحب محل أدوات منزلية، “المشكلة دي مش بنخلص منها في الحوامدية، بس الولد مهما كان معذور، البنات لبسهم ضيق ومفصل الجسم، والشباب مهما غض بصره هيضطر برضه يبصلها ويقولها كلمة والموضوع ساعات بيوصل لمد الإيد وخطف البنات بالتكاتك”، وأشار أبو ربيع إلى محاولاته توعية الفتيات بالملابس المناسبة عن طريق طبع منشورات وتوزيعها تنصحهم وتطلعهم على الملابس التي يعتبرها تمنع اعتداءات ومضايقات الشباب، مشددا على أن التحرش سينتهي تماماً إذا التزمت الفتيات بالملابس التي يراها مناسبة.

 

وجدنا أحد الشباب جالسا في التوك توك الخاص به ينتظر خروج الطالبات أمام إحدى المدارس، ويدعى إبراهيم عظيمة، طالب بالثانوي الصناعي، وقال “الحوامدية هنا فيها كل حاجة، تحرش ومخدرات، ودي حاجة مش كويسة بس الشباب بتعمل كده علشان عاوزة تتجوز، والموضوع ملهوش حل لو البنات اتنقبت برضه هتتعاكس”.

 

لم يختلف الأمر كثيراً في محافظة بني سويف، حيث أجمع الأهالي على وجود التحرش، وقالت أسماء سيد، إحدى الفتيات أن عادات وتقاليد الصعيد ترفض التحرش بشكل مؤكد، لأنها أكثر تمسكا بالقيم من المدن، وإن كان التحرش موجود في الصعيد ولكن بنسبة أقل عن العاصمة.

 

ولفت الأهالي إلى أنه في حالة الالتزام بالعادات والتقاليد ستنتهي الظاهرة، فالتحرش سلوك يكتسبه الشاب من المجتمع المحيط، مجمعين على أن هناك العديد من العادات التي لم يعد هناك التزام بها، ونزع أهالي بني سويف من المتحرش كلمة إنسان، مؤكدين أن من يقوم بذلك لا يعرف معنى الإنسانية.

 

ومع انتشار مقولة أن من يخطئ في حق فتاة، سيعود ذلك على أهل بيته، علقت مروة سيد “ذلك الكلام نوع من التخلف، لأن ده مش عدل لما الرجل يخطأ العقاب يتحمله شخص تاني، معقولة لما يكون أخويا يؤذي بنات الناس ربنا هيبعتلي أنا اللي يئذيني طب أنا هيكون ايه ذنبي, دا ظلم وربنا مش ظالم، ليه المجتمع مصمم يحمل البنت تمن أي خطأ حتى لو مش خطأها؟”.

 

وتنتشر الظاهرة أمام المدارس الموجودة بالمناطق الزراعية، حيث طالبت الفتيات بضرورة وجود عقاب رادع من الدولة للمتحرش، ولابد أن تكون الجهات المعنية حاسمة في تطبيق العقوبات لأن تنفيذها سيساهم بشكل كبير في جعل الجاني لا يفكر في تكرار هذه الأفعال.

 

ورفضت الكثير من السيدات والفتيات الحديث في هذا الموضوع، فيما رأي بعض الشباب أن التحرش ما هو إلا نقص في الإحساس بالرجولة، وقلة في التربية والأدب.

 

ورصد فرع المجلس القومي للمرأة ببني سويف، سبع حالات تحرش بالمحافظة منذ ديسمبر الماضي حتى الآن، أغلبها تحرش جسدي ولفظي، بحسب محمد جمال، محامي المجلس, الذي أكد أن المجلس يتابع هذه البلاغات في سرية تامة, وهو ما ما أكدته بعض المتقدمات بالشكاوي, واللاتي رفضن الذهاب إلي قسم الشرطة للإبلاغ عن التحرش بهن.

 

وشكل البعض حملات لمقاومة التحرش بالمحافظة منها “خليك إيجابي وابدأ، وامسك متحرش”، ودعا القائمون على الحملتين الشباب والفتيات بالتعاون معهم، لمقاومة الظاهرة، والحفاظ على قيم المجتمع وعاداته وتقاليده. هناك أيضا “خريطة التحرش” Harass Map التي تجمع شكاوى التحرش من أنحاء مصر، وبالطبع تحظى فيها القاهرة بالنصيب الأكبر من عدد البلاغات، يليها وجه بحري، فيما نجحت حتى الآن في رصد بعض الشواهد من الفيوم.

 

أما في محافظة سوهاج، فتوجد الظاهرة بنسبة قليلة، ويرجع الكثير من الأهالي ذلك إلى الاحتفاظ بشكل كبير بالعادات والتقاليد، ولكن لا يعني ذلك انعدام الظاهرة، وتكون أغلب حالات التحرش في المواصلات، والأماكن المزدحمة.

 

وروى عدد من الفتيات والنساء بعض ما يحدث لهن، حيث قالت نورا، طالبة بكلية التربية، “كان واحد راكب جنبي في العربية وحط أيده على رقبتي، بصيت عليه شال إيده بس رجع حطها تاني رحت وقفت العربية ونزلت، بس خفت أتكلم في العربية لافضح نفسي”.

 

وحكت طالبة بمدرسة الثانوية التجارية المتقدمة بسوهاج، رفضت ذكر اسمها، “كنت راكبة العربية ورايحة المدرسة ركب جنبي راجل ولزق فيا جامد وحط أيده على جسمي رحت شكيته بالدبوس مسبتهوش إلا بعد ما ايده جابت دم, بس طبعا مقدرتش أقول لأهلي علشان معملش مشاكل، وكانوا هيمنعوني من إني أنزل المدرسة تاني”.

 

أما موظفة مديرية التربية والتعليم، التي رفضت ذكر اسمها، فقالت “أنا كنت في مطعم بشتري أكل، والمطعم كان زحمة، وراجل وقف ورايا وحط يده على مؤخرتي رحت ارتبكت ومشيت، ونسيت الطلبات اللي دفعت ثمنها, بس مقدرتش أتكلم أحسن حد يشوفني ويقول لجوزي تبقى مصيبة وممكن يقتل الراجل ده”.

 

وشدد عدد من أهالي المحافظة على أن حوادث التحرش والاغتصاب في الصعيد قليلة، وذلك يرجع إلى التقاليد والموروثات العقائدية والإنسانية الموجودة في المجتمع الصعيدي, وأن هذا السلوك يؤدي إلى فضيحة لا يعالجها في المجتمع الصعيدي سوى الدم، وأن هناك العديد من المشكلات التي حدثت بين العائلات لهذا السبب، وأبدى الكثير من الشباب استعدادهم للاشتراك في حملات مقاومة التحرش إذا ظهرت في المحافظة.

 

وأجمع الأهالي أن الاختلاف بين الصعيد وبحري هو أن قرى الصعيد كل سكانها يعرفون بعضهم، بعكس وجه بحري فهو مجتمع واسع لا يعرف أحدهم الآخر، مما يؤدى إلى زيادة هذه الحوادث به وهروب المجرمين. وفي الصعيد لو أفصحت الضحية عن نفسها، ستجد “ألف من يحميها” والأمر لا يعالج باللجوء للشرطة مثل وجه بحري، أو التربص للمجرم والاعتداء عليه، ولكن التعامل يكون بالسلاح والدم، لهذا تخشى الضحية على أهلها من الدخول في ثأر مع عائلات أخرى, فتلجا إلى السكوت، بحسب الأهالي.

 

ولفت الدكتور خالد كاظم، أستاذ علم الاجتماع بجامعة سوهاج، أن ظهور التحرش في المجتمع الصعيدي، الذي تحكمه قيم ومعايير تقليدية، سببه التعرض لبعض المستحدثات مثل الانترنت والدش، مؤكداً أنه لا يوجد فارق بين الصعيد ووجه بحري في وجود الظاهرة، لأنها تحدث عبر التفاعل الاجتماعي الموجود في العالم كله، ولكن الاختلاف في طريقة التعامل مع فعل التحرش، فرغم أن الأنثى هي الضحية في المجتمع الصعيدي، يتم تحميلها المسئولية، فالأهل والناس ينظرون إلى الأنثى التي تفصح عما حدث لها على أنها فضحت نفسها، وهذا هو الذي يمنعها من اتخاذ رد الفعل الطبيعي والرجوع إلى القضاء، بحسب قوله.

 

وأشار أستاذ علم الاجتماع إلى أن الحركات التي ظهرت لمحاربة فعل التحرش، هي تكوينات اجتماعية، حيث يحدد كل فرد موقفه من القضية، ويقرر بعدها ينضم إلى الحركة أم لا, موضحاً أن طبيعة التكوين الاقتصادي لسوهاج كمحافظة فقيرة، هو الذي جعل تكوين هذه الحركات بالمحافظة قليل.

 

ومن الناحية الأمنية، قال اللواء محسن الجندي، مدير أمن سوهاج، في تصريحات لـ”المندرة” إن حالات التحرش التي تصل إلى المديرية لا تزيد على أصابع اليد الواحدة، ويتم التعامل معها بمنتهى السرية محافظة على الفتاة وأسرتها، مشيراً إلى أنهم يقومون بعمل الكمائن المتحركة والثابتة أمام المدارس وأمام التجمعات والجامعة، وفى المناسبات والاحتفالات، لمراقبة الحالة الأمنية ومكافحة التحرش، كما أنه لا تصل إليهم معظم الحالات، لأن الفتاة لا تفضل الإبلاغ عن الموضوع، بحسب قوله.

 

وكان المشير محمد حسين طنطاوي، أصدر في الرابع والعشرين من مايو 2011 مرسوماً بقانون رقم 11 لعام 2011، حيث نصت المادة 306 مكرر “أ”، والتي جاءت بالمرسوم على أن يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر و لا تتجاوز سنتين، وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على ألفي جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من تعرض لشخص بالقول أو بالفعل أو بالإشارة على وجه يخدش حياءه في طريق عام أو مكان مطروق.

 

ويسري هذا الحكم إذا كان خدش الحياء قد وقع عن طريق التليفون أو أي وسيلة من وسائل الاتصالات السلكية أو اللاسلكية.

 

وجاء في المادة أنه إذا عاد الجاني إلى ارتكاب جريمة من نفس النوع خلال سنة من تاريخ الحكم عليه نهائياً في الجريمة الأولى، فتكون العقوبة بالحبس مدة لا تقل عن سنة وغرامة لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على خمسة آلاف جنيه.

 

العادات والتقاليد قد تحكم بعض الظواهر، ولكنها قد تعجز أمام وباء، أصبح يجتاح أخلاقيات البعض ليصبح طابعها الأصيل.

 

You must be logged in to post a comment Login