التحرش الجنسي في مصر.. ضحايا بلا مجرمين

**المحكمة تنظر أول واقعة تحرش جنسي بالأقصر منذ أسبوعين وتبرئ المتهم

**10 محاضر تحرش بالصعيد في شهر

 

قنا: حسن الدندراوي

الأقصر: أسماء أبو بكر الصادق

المندرة: منة الله محسن

“ضحايا بلا مجرمين” هي الجملة التي تصف انتشار حالات التحرش في المجتمع المصري بشكل مبالغ فيه في الفترة الماضية، فاذا كانت واقعة “فتاة ميدان التحرير” التي تعرضت للاغتصاب والمعاناة لمدة 12 ساعة بسبب عدم استقبال المستشفيات الحكومية لها، وزارها الرئيس عبد الفتاح السيسي هي القضية الأكثر شهرة ويحاكم فيها حاليا 18 متهما، فهناك العديد من الحالات الأخرى ليس فقط بالقاهرة ولكن بالعديد من محافظات كالمنيا وقنا والأقصر وغيرهم مما يحول حياة الفتيات والنساء إلى جحيم على الأرض بسبب تأثيره على حياتهن النفسية والاجتماعية بل وأيضا العملية.

 

المتهم بريء

ويبلغ عدد محاضر التحرش ببعض محافظات الصعيد منذ حادثة “فتاة التحرير” وحتى الآن أي منذ شهر ما يقرب من 10 محاضر، أحدها بقنا و8 بالمنيا، وأخرى بالأقصر، حيث أصدرت محكمة جنح الأقصر اليوم حكمها في قضية التحرش الجنسي التي حدثت منذ أسبوعان، ببراءة المتهم “ب. س. ج”، لخلو أوراق الدعوة من دليل ارتكاب المتهم للواقعة وكذلك اسم المجني عليها، وعدم وجود شاهد على الواقعة، حسب ما جاء بالحكم.

 

وتحرر محضر بالواقعة يوم 11 من الشهر الحالي يحمل رقم 5615 جنح قسم شرطة الأقصر لسنة 2014، وتم إلقاء القبض على المتهم بنفس اليوم وحبسه 4 أياما على ذمة التحقيق، وقبل ميعاد التجديد بيوم تم إحالته إلى جلسة يوم 16 وتحويله إلى محاكمة عاجلة.

 

وجاء في مذكرة المحضر التالي: “أثناء تفقد قوة من المديرية الحالة الأمنية في الشارع وضبط الخارجين عن القانون جاءت إلينا إحدى السيدات وأقرت لنا بإنها حال سيرها بشارع المدينة دائرة البندر فوجئت بأحد الأشخاص يقود سيارة ربع نقل زرقاء اللون اقترب منها من الخلف وتحرش بها وأمسك بثدييها، وعلى الفور قامت بالصراخ فتجمع المارة وأوقفوا السيارة، ومن خلال الفحص تبين أنهم ممسكين بأحد الأشخاص وأبلغونا بنفس ما جاء على لسان السيدة وتم التحفظ على المتهم، وطلبنا من المبلغة التوجه إلى ديوان القسم لتحرير محضر ولكنها رفضت الإفصاح عن شخصيتها وأقرت بعدم الرغبة في سؤالها، وذلك لطبيعة الأعراف والتقاليد المعروفة حيث أنه قد يؤثر على سمعتها وزواجها، وذلك ما توصلت إليه التحريات”.

 

والمتهم كان رده مختلفا حيث قال: “اللي حصل إني كنت واقف في شارع المدينة وبعد كدة الراجل بتاع المحل قالي إنه في واحدة عيزاني بره، سبت مراتي وطلعت أشوف في ايه، لقيت برة واحدة ست مسكت فيا وقالتلي انت صاحب العربية الربع نقل دي قلتلها أيوة، قالتلي أنا جبتلك الحكومة، ونزل من عربية البوكس الظابط وأخدوني على القسم”.

 

وتساءل رجب عبد القوي، محامي المتهم أثناء المرافعة: “أين المبلغة؟، اذا كان بالفعل حدث معها ذلك والمتواجدون بالشارع قد رأوها لماذا لم تدلي باسمها في المحضر؟، والذي قيل فيه إن المتهم كان يسير بسيارته والمبلغة كانت من الخلف، فكيف تم التحرش بها من الخلف؟”، مضيفا أن المتهم الذي يبلغ عمره 22 سنة تزوج في 14 مايو 2014 أي حديث الزواج، وأنه فوجئ بعد خروجه من المحل بصحبة زوجته بتهشيم سيارته، حسب تأكيده.

 

وقال ممدوح الحجار، المحامى الثاني للمتهم، إنه يجب التدقيق جيدا في تلك الوقائع لإثبات الحقيقة حتى لا يتم تلفيق مثل تلك الاتهامات واستخدمها في أغراض الانتقام أو غيرها، مطالبا الإعلام بمراعاة المهنية والمصداقية في نشر تلك الوقائع.

 

ويرى الكثيرون في الصعيد أن تعرض الفتاة للتحرش هو جريمة تقع على عاتقها وتعتبر فضيحة للفتاة وعائلتها مما قد يدفعهم لإجبارها على البقاء بالمنزل وعدم مغادرته، وبالتالي تلجأ معظم ضحايا التحرش بالصعيد لالتزام الصمت. ويمكنك قراءة موضوع “المندرة” عن حالات التحرش بالصعيد وتعامل المجتمع معهم من هنا.

 

وجرائم التحرش لها أبعاد أخرى في المجتمع الصعيدي بشكل خاص، حيث تشير دراسة للدكتورة خديجة فيصل مهدي، باحثة إعلامية، أن الظاهرة لها مخاطر أخرى في الصعيد منها القضاء على ما حققته من مكتسبات في مجال العمل وحرية الخروج والانتقال والسفر، وأن الكثير من الأسر والعائلات والقبائل تبدي تحفظا على خروج النساء والفتيات للعمل أو لأي سبب آخر خشية من تعرضهن لمضايقات من قبل المتحرشين، الأمر الذي يعد عارا يلاحق رجال العائلة قبل نسائها ولا يعالج إلا بالقتل، حسب ما جاء بالدراسة.

 

وحسب هذه الدراسة، فالتحرش الجنسي لا يهدد فقط حياة النساء النفسية والاجتماعية ولكن الجانب العملي أيضا، ويفجر المعارك والصراعات القبلية بين رجال وشبان القبائل والعائلات بمراكز ومحافظات الصعيد التي شهدت بالفعل الكثير من المعارك القبلية بسبب التحرش وخاصة في قنا وسوهاج وجنوب الأقصر.

 

أول محضر

وسجل قسم شرطة نجع حمادي أول محضر تحرش في قنا حيث تلقى اللواء محمد كمال، مدير أمن قنا، بلاغا بتحرير “حنان. ع ” 42 سنة، ربة منزل، بتحرير محضر ضد “شوقي. ن”، سائق “سرفيس” بسيارة تحمل رقم “22384 أجرة قنا”، تتهمه فيه بالتحرش بها وبابنتها بأحد شوارع مدينة نجع حمادي.

 

وجاء في المحضر أنه أثناء عبور محررة المحضر الطريق مع ابنتها بشارع بورسعيد اعترضتهما سيارة “سرفيس” ووجه السائق لهما عبارات خادشة للحياء العام وألفاظ خارجة، وعلى الفور دونت السيدة رقم السيارة أثناء استمرار المتحرش في إلقاء الألفاظ الخارجة والخادشة وتوجهت لمركز شرطة نجع حمادي وحررت المحضر رقم “3775” بالواقعة.

 

وقالت حنان .ع لـ “المندرة”، إنها لم تشعر بالخوف أو الحرج، وأرادت تحرير نساء الصعيد من القيود والعادات التي تمنعهن من الدفاع عن حقهن، وإن حالات التحرش كثيرة بالصعيد ولكنها غير مرصودة بسب خوف السيدات من الفضيحة، وإنهن عندما يتعرضن للتحرش يتوجهن لقسم الشرطة ويحررن محضر بسرقة الحقيبة وليس التحرش.

 

وطالبت حنان سيدات وبنات الصعيد بالتحرر من القيود والعادات المجحفة التي تهدر حقهن، كما وجهت الشكر لرجال الأمن على تعاملهم بكل “أدب وذوق” حال تحريرها المحضر.

 

وكانت جمعية جنوب مصر العاملة في مجال تنمية دور المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية، نظمت وقفة ضد ظاهرة التحرش أمام ديوان عام المحافظة. وتعمل الجمعية علي رصد العنف الجنسي وإلقاء الضوء عليه في محاولة لتغيير نظرة المجتمع تجاه النساء ضحايا التحرش وكسر حاجز الصمت حول هذه القضايا والنهوض بالمرأة المعيلة.

 

ووقعت اشتباكات في منتصف يونيو 2013 بين قريتي “الترامسة” و”الحميدات” بسبب معاكسة فتاة والتحرش اللفظي بها أمام السور الخلفي لسجن قنا العمومي، واندلعت المشاجرات بين القبيلتين استخدموا فيها الأسلحة النارية والخرطوش مما أسفر عن إصابة شابين بطلقات خرطوش وشاب آخر بجرح قطعي.

 

وكذلك واقعة الاعتداء الجنسي الشهيرة التي حدثت منتصف نوفمبر 2009، التي اتهم فيها شاب قبطي باغتصاب فتاة قرية “فرشوط” المسلمة وسط زراعات القصب بقنا، والتي أدت إلى حدوث معارك وأعمال شغب كبيرة من قبل أسرة الفتاة، وتلك الواقعة اعتبرها البعض فتنة طائفية، والبعض الآخر نظر إليها كحادث إجرامي فردي.

 

4 حالات

وفي المنيا، ضبطت الحملات الأمنية بشوارع المنيا 4 حالات تحرش بالفتيات مع بداية الشهر الحالي وجاري اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم، بالإضافة إلى 4 محاضر تحرش تعرضن لها فتاة وسيدة وطفلتين.

 

ولم تكن الحالات الأربعة بالمنيا متشابهة، فالأولى لم تقتصر على التحرش اللفظي أو الجسدي ولكن امتد الأمر إلى حد إلقاء أحد المتحرشين مادة كاوية على الفتيات لكشف أجسادهن وتم إحالته للكشف الطبي للتأكد من سلامة قواه العقلية، وتحرش اثنان آخران بطفلتين مما دفع الأهالي للتبليغ عنهما، فيما قام عامل بمحطة قطار بالتحرش ببائعة متجولة.

 

وشاركت حملة “صوت نساء الصعيد” بالمحافظة في الوقفة الاحتجاجية التي تم تنظيمها يوم السبت قبل الماضي أمام دار الأوبرا المصرية للتنديد بجرائم التحرش الجنسي.

 

وقالت تريزة سمير، مؤسسة الحملة، في بيان لها: “إننا نعيش حالة من الحزن والأسى على ما وصلنا إليه من تدني مستوى الأخلاق والقيم وأصبح جسد النساء بلا قيمة, لذا تشارك حملة “صوت نساء الصعيد” نظيراتها من الحملات النسائية والمجلس القومي للمرأة لنقف كالحائط أمام هذا الطوفان الذي يلتهم المرأة المصرية”.

 

وفي منتصف الشهر الحالي، نظم حزب الدستور بالمنيا وقفة بعنوان “مش ساكتين.. بنات مصر مش مشاع”، وذلك لرفض ظاهرة التحرش الجنسي التي تتعرض لها السيدات بالشارع المصري عقب زيادتها في الآونة الأخيرة. وأكد منظمو الوقفة أمام مبنى عام المحافظة، أن تلك الوقفة تمت الدعوة لها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وتجاوب معها الفتيات والشباب بشكل سريع. للمزيد عن وقفة “مش ساكتين” ادخل هنا.

 

تغليظ العقوبة

والجدير بالذكر، أن عدلي منصور، الرئيس المؤقت السابق، أصدر قرارا بقانون جديد لتغليظ عقوبة التحرش الجنسي، يوم 5 يونيو، وذلك بعد إقراره من مجلس الوزراء ومراجعته في قسم التشريع بمجلس الدولة.

 

وينص القانون الجديد على أن يُعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن ثلاثة آلاف جنيها ولا تزيد عن خمسة آلاف جنيها أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من تعرض للغير في مكان عام أو خاص أو مطروق بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالإشارة أو بالقول أو بالفعل بأية وسيلة، بما في ذلك وسائل الاتصالات السلكية واللاسلكية.

 

وتكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة، وبغرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيها ولا تزيد على 10 آلاف جنيها أو بإحدى هاتين العقوبتين إذا تكرر الفعل من الجاني من خلال الملاحقة والتتبع للمجني عليه، وفي حالة تكرار الفعل تُضاعف عقوبتا الحبس والغرامة في حديهما الأدنى والأقصى.

 

ونص القانون أيضا على أنه يعتبر تحرشا جنسياً اذا ارتكبت الجرائم المنصوص عليها في مادة العقوبات السابقة، بقصد حصول الجاني من المجني عليه على منفعة ذات طبيعة جنسية، ويُعاقب الجاني بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبغرامة لا تقل عن 10 آلاف جنيها ولا تزيد على 20 ألف جنيها أو بإحدى هاتين العقوبتين.

 

وتضمن القانون حكما خاصا إذا كان الجاني له سلطة وظيفية أو أسرية أو دراسية على المجني عليه أو مارس عليه أي ضغط تسمح له الظروف بممارسته عليه أو ارتكبت الجريمة من شخصين فأكثر أو كان أحدهم على الأقل يحمل سلاحا تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنين، والغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيها ولا تزيد على 50 ألف جنيها.

One Response to التحرش الجنسي في مصر.. ضحايا بلا مجرمين

  1. samir 3:53 مساءً, 23 يناير, 2016 at 3:53 مساءً

    عقوبة التحرش الجنسي بانوثة وكرامة المرأة وعزها في مصر المحترمة عقوبة الحبس مدى حياته أو العداب قطع اليد والرجل حتى يلقى هدا المعتدي عقابه اللآزم ويكون عبرة لأمثاله

You must be logged in to post a comment Login