‘‘البوسطجي’’ مهنة إنغلقت على أصحابها بسبب التكنولوجيا

المنيا: رشا علي

لهفة إنتظار سماع صوت جرس الدراجة، التي يحمل قائدها ورقة مطوية من أحد الأحباء الغائبين، نشوة لم يدركها الجيل الجديد، الذي تربَّي على استخدام التكنولوجيا في التواصل، فلم يعايش متعة إنتظار ساعي البريد، البوسطجي، الطوافة، سمِّه كما شئت، المهم أنه يحمل بين يديه مشاعر مسطورة، تُطمئن قلوب الكثيرين، وتحمل أخبار الغائبين، والأهم أننا نكاد نفقد هذه المتعة.

 

إلى العرب القدامى، يرجع أصل فكرة ساعي البريد، وهم أول من اعتمدوا على الخيل والجمال، والطبول والمرايا في إرسال الأخبار والمعلومات، فمع إتساع رقعة الدولة الإسلامية وكثرة الفتوحات، كان لابد من وسيلة أسرع لنقل الرسائل، ومن هنا استخدم العرب الحمام الزجل، وكان ذلك في العهد الأموي، وتطور شكل البريد حتى وصل إلي صورته الحالية، حيث أُقيم أول مركز بريد حديث في مدينة البصرة العراقية، وتم إنشائه عام 1847.

 

وتطور شكل ساعي البريد عن الماضي كثيرًا، فلم يعد يحمل الشنطة ويقود الدرّاجة أو يرتدي زيٌّا مميزًا كما كان سابقًا، بل أصبح يستخدم الدراجة النارية في تنقلاته، ولم يعد لزامًا عليه الإلتزام بزيً معين، كما لم يعد ينقل أخبار المسافرين والمغتربين، بل أصبح ينقل خطابات من مصالح حكومية وبنوك ومدارس، ليُنذر فُلان بأن رصيده البنكي قد ازداد أو أشك على النفاذ، أو يُعلم عِلّان بأن ابنه متغيب عن الدراسة.

 

مصطفى رجب، ساعي بريد قرية منقطين، مركز بالمنيا، وهي قرية تخدم ما يزيد عن 20 عزبة، يبلغ من العمر 45 عامًا، ويعمل في هذه المهنة منذ 20 عامًا، أوضح أن دوره الآن أصبح مقتصرًا على الذهاب إلي العزب البعيدة، بواسطة الدراجة النارية، ومعه خطابات من المدارس، لأولياء الأمور، ومن المصالح الحكومية للمواطنين، وأن حياته قبل ذلك كانت عبارة عن ’’رحلة جميلة تبدأ من 8 صباحا إلي 2 ظهرًا كل يوم‘‘، أما الآن فأصبح مجرد موظف كل ما يهمه أن يوقّع الحضور والإنصراف ويقضي أيامًا كاملة بلا عمل.

 

واستطرد قائلًا إنه في الماضي، عندما حصل على شهادة الدبلوم، والتحق بالعمل في البريد، إحتفل به الأهل تعبيرًا عن فرحتهم، مؤكدًا أنه كان عند دخوله أيَّ قرية، يشعر الأهالي أن اليوم عيد.

 

ويوضح مصطفى رجب أن مهنة ساعي البريد إنغلقت على أصحابها، فلم يلتحق به وزملاءه في العمل أي شخص جديد منذ أكثر من عقد كامل، مؤكدًا أنه لا يتمنى لأحد أبنائه أن يلتحق بهيئة البريد ليصبح موظفًا يُخطر ببعض الخطابات الرسمية بين الحين والآخر.

 

أما عن الظروف المادية لساعي البريد، فحدث ولا حرج، حيث يشير رجب إلى أن مرتبه لم يزد منذ فترة طويلة، وأنه يعيش مثل بقية زملاء العمل على زراعة أراضيهم وبيع محاصيلها.

 

وكان اهتمام المصريين بساعي البريد منذ عدة عقود اهتمامًا شديدًا، لدرجة أن فيلمًا من أهم 20 فيلم على مستوى السينما المصرية، يتحدث عن ساعي البريد، وهو عن قصة بعنوان ’’البوسطجي‘‘، من تأليف الكاتب يحيى حقي، وقدمه المخرج حسين كمال للسينما عام 1968، بطولة الفنان الراحل شكري سرحان.

 

ويحكي الفيلم عن ’’البوسطجي عباس‘‘ الذي يقرر الإنتقام من أهل القرية التى نُقل ليعمل بها بسبب إهانتهم له، فيقوم بالتجسس على جواباتهم ومعرفة أسرارهم، لدرجة أنه يتسبب عن طريق الخطأ في قتل إحدي الفتيات.

 

أما الآن، فأصبحت كتابة عدة سطور على أزرار لوحة المفاتيح، ثم ضغطة سريعة على زر الإدخال، تظهر من خلالها علامة حمراء لدى الشخص المرسل إليه، على أيقونة في هيئة جواب صغير، تُخبره بأن ’’هناك رسالة بريد جديدة‘‘!

 

You must be logged in to post a comment Login