البتشتي.. القناوي الأزهري الجريء الذي تحدى الخديوي إسماعيل

قنا: سعيد عطية

وكأن أرضها الطيبة، وموقعها على النيل بين الجبال، جعلها أرضًا خصبة بالرجال مليئة بالأوفياء، كلما احتاج الوطن رجالًا أقوياء في الحق أشداء على الباطل، لم تتأخر قنا عن تقديمهم لمصر، ومن بينهم الشيخ توفيق محمد خليفة، الذي عُرف بـ‘‘توفيق البتشتي’’، وينسب إسمه إلى مسقط رأسه مركز ، أول مراكز محافظه قنا 1877، من أبوين عربيين ينتميان إلي قبيلة الوشيشات، إحدى القبائل العربية التي تمتد جذورها إلي قبيلة بني هلال.

 

‘‘المندرة’’ التقت أحفاد الشيخ الراحل، لتتعرف منهم أكثر على معلومات عن إنجازاته وحياته وسيرته، حيث كان والده، الحاج محمد خليفة، من الأتقياء الصالحين، صوفي على الطريقة الخلوتية، أخذ العهد على قطب زمانه، الشيخ أحمد الشرقاوي، بنجع حمادي، وكان كريمًا يفتح داره للغرباء وعابري السبيل، يصوم أكثر أيام العام، ويلازم مسجده الذي بناه بجوار بيته طوال الليل، راكعًا ساجدًا ذاكرًا ربه.

 

وقبل أن يتم حفظ كتاب الله في بلده، أرسله والده مع أخيه الأكبر، الشيخ محمود، الذي كان يطلب العلم في الأزهر عام 1890، وكان عمره 13 عامًا، فأكمل حفظ القرآن الكريم، وأثناء حفظه لكتاب الله أخذ يتلقى مبادئ العلوم الدينية والعربية.

 

كان الشيخ توفيق البتشتي، من الطراز المتميز في تفكيره وطريقة تعبيره وأسلوبه في عرض المسائل العلمية، مما حبب الطلاب فيه، فاتسعت حلقات دروسه، وضاق المكان بالراغبين في علمه، وانفرد برقعة شاسعة من الأزهر، ساعده فيها صوته الجهوري وحنجرته القوية.

 

عُرف عنه أنه يرفع راية الحق لا يخشى حاكمًا، ولا يتملق سلطانًا، فحين وقعت الحرب بين مصر والحبشة، في عهد الخديوي إسماعيل، وتوالت الهزائم، وضاق صدر الخديوي، فقال له شريف باشا رئيس النظار: إذا لجأت إلي علماء الأزهر الأطهار وقرأوا البخاري يفرج الله الكرب وينتصر الجيش، فكلم الخديوي الشيخ العروسي، شيخ الأزهر، فجمع له من العلماء الصالحين، وأخذوا يتلون البخاري أمام القبلة القديمة في الأزهر، ولكن أخبار الهزائم ظلت تتوالى وانتصارات العدو تتعاظم، فرجع الخديوي إلي العلماء واتهمهم بأن ما قرأوه إما ليس صحيح البخاري، أو إنهم ليسوا علي مستوى سلفهم الصالح، فسكت العلماء وصرخ البتشتي من آخر الصف ‘‘هُزمنا منك يا إسماعيل، فإنا روينا عن النبي (ص) إنه قال: لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم شراركم فيدعوا خياركم فلا يستجاب لهم’’.

 

أطرق الخديوي، وانصرف ومعه شريف باشا، ثم رجع أحد مماليكه يطلب الشيخ المتحدث واصطحبه معه إلي القصر، وطلب منه الخديوي أن يعيد ما قاله، فأعاد الشيخ حديثه وشرحه، فتساءل الخديوي: ماذا صنعنا حتى ينزل بنا البلاء؟ فأجابه الشيخ بأن قوانينه تبيح الزنا وترخّصه وكذلك الخمر، فبرر الخديوي بأن تلك العادات نُقلت لهم من الإنجليز، فرد الشيخ ‘‘إذن لا ذنب للبخاري وعلماء الأزهر’’، فصمت الخديوي وصدّق على كلامه وكافأه على جرأته.

 

في عام 1908، تقدم الشيخ للجنة مكونة من ستة من كبار العلماء، برئاسة شيخ الأزهر، لإمتحان شهادة العالمية، وكان من بين أعضاء اللجنة عالم بينه وبين الشيخ، الطالب آنذاك، خصومة، فأخذ يوجه له الأسئلة بعنف، ولم يترك فرصة لغيره من الأعضاء كي يختبروه، وظهر أنه يتحداه، واستمرت المناقشة ثلاث أيام كاملة، كانت كأنها مناظرة بين عالمين، ولما نجح في الإمتحان سار به أهل القرية بالتهليل والتكبير حتى منزله، وعُيّن بعد نجاحه وحصوله علي درجه العالمية مدرسًا بالأزهر.

 

تزوج البتشتي من سيدة من محافظة فاس بالمغرب، كانت تدرس علوم الدين بحي المغاربة بجامعة الأزهر، وأنجب منها سبعة أولاد وثلاث بنات، منهم النائب أحمد أنور، عضو مجلس الأمة عام 1963، وعمل مديرًا عامًا في وزارة الإعلام، وأُعير بعدها إلي دولة الكويت، ومحمد فؤاد، الذي عمل مستشارًا لوزارة الصحة في دولة الكويت، والمستشار محمد فاروق، الذي شغل موقع رئيس محكمة استئناف القاهرة.

 

انتخب عضوا في مجلس النواب عام 1924، بعد أن دعته كبار العائلات في دائرته للترشح، وبعد سبعة أشهر، حُلّ المجلس على إثر مقتل السير لي ستاك، وفي سنة 1926، أُجريت انتخابات أخرى، فتقدم لها ونجح، لكن المجلس لم تمهله حكومة زيور باشا يومًا واحدًا، وصدر قرار حلّه في يوم انعقاده، ولم يتقدم الشيخ البتشتي للإنتخابات مرة أخرى.

 

تم اختياره مفتشًا عامًا للعلوم الدينية والعربية، علي مستوى الجمهورية، عام 1925، فزار كل المعاهد الدينية آنذاك، واستمر في ذلك الموقع حتى عام 1936، حيث اختير أستاذًا بكلية أصول الدين، وفي 1938 صدر قرار الشيخ محمد مصطفي المراغي، شيخ الأزهر، بإنشاء أول معهد ديني في محافظة قنا، وتعيين البتشتي شيخًا للمعهد، وكان هذا المعهد ثاني المعاهد الأزهرية على مستوى ، وبعد ذلك بفترة قصيرة، أصابه المرض، ووافته المنية عام 1939، ودُفن في روضة البساتين في القاهرة.

 

 

2 Responses to البتشتي.. القناوي الأزهري الجريء الذي تحدى الخديوي إسماعيل

  1. أبوالوفا عبداللطيف 11:11 مساءً, 8 ديسمبر, 2013 at 11:11 مساءً

    رحم الله الشيخ توفيق البتشتي
    ولكن
    الخديوي إسماعيل خلعه الإنجليز عن العرش في 26 يونيو 1879.
    والشيخ البتشتي ولد سنة 1977
    لذا فإن القصة المذكورة تحتاج إلى توثيق

  2. أبوالوفا عبداللطيف 11:14 مساءً, 8 ديسمبر, 2013 at 11:14 مساءً

    رحم الله الشيخ توفيق البتشتي
    ولكن
    الخديوي إسماعيل خلعه الإنجليز عن العرش في 26 يونيو 1879.
    والشيخ البتشتي ولد سنة 1877
    لذا فإن القصة المذكورة تحتاج إلى توثيق

You must be logged in to post a comment Login