الاستثمار في بني سويف بين التعافي والانهيار‎

**المستثمرون يعانون من الانفلات الأمني وانقطاع المياه والكهرباء عن المناطق الصناعية

**المحافظ السابق: طالبت وزيري المالية والصناعة باستكمال أعمال المرافق والصرف الصحي

 

بني سويف: محمد حسين

علي الرغم من وجود موارد اقتصادية ببني سويف تتمثل في وجود ثماني مناطق صناعية متنوعة بالمحافظة، بالإضافة إلي توافر شبكة طرق رئيسية عملاقة، وموقع متميز يربط محافظة بني سويف بالمحافظات المجاورة، إلي جانب قربها من القاهرة، إلا أنه وبسبب وجود معوقات تختلف نسبيا بين هذه المناطق بحسب موقع وظروف كل منطقة، فقد أثر ذلك في ضخ الاستثمار علي أرض المحافظة، وتهديد حلم وآمال الشعب السويفي في تحقيق النهضة الاقتصادية وزيادة معدلات التنمية، وحجز مكانة متقدمة علي خريطة الاستثمار في مصر.

 

يعتبر مصنع حورس إدفو لصناعة الورق “إتش أي بي سي”، من أوائل المصانع التي أنشئت في منطقة الصناعات المتوسطة بشرق النيل ببني سويف الجديدة، ويقول شاكر صالح، مدير المصنع إن صاحبه اختار بني سويف للاستثمار فيها، لما تمتاز به من الموقع وسهولة المواصلات بينها وبين القاهرة، وتوافر الأيدي العاملة، وكان المستثمرون اللذين يريدون الاستثمار في بني سويف الجديدة، يأتون إلى صاحب المصنع أولا ليسألوه عن واقع الاستثمارات في بني سويف، وعن توافر البنية التحتية بها، ليدعم ذلك مشاريعهم الاستثمارية، مشيراً إلى أنه في ذلك الوقت كان الحال جيدا، والاستثمار في زيادة، وعدد المستثمرين يزيد عاما بعد عام.

 

يصف صالح وضع الاستثمار حاليا وحالته بقوله “لا يسر عدو ولا حبيب”، حيث يفتقر مصنع حورس إدفو لمقومات البنية التحتية، من مرافق وخاصة بعد الثورة، حيث تنقطع المياه في المصنع حوالي 18 ساعة يوميا، وكذلك الكهرباء في انقطاع مستمر، وصناعة الورق تحتاج لكمية كبيرة من المياه والكهرباء، ورغم ذلك تأتي فواتير المياه والكهرباء مرتفعة.

 

يوفر المصنع فرص عمل عديدة لأبناء المحافظة بعد أن يتولى مهمة تدريبهم، ولكن بسبب بعد المسافة بين المصنع والمساكن، ووجود مشكلة الأمن في المنطقة، أصبح العامل متردد في الاستمرار في العمل.

 

وبوجه عام، فإن الاستثمارات بعد ثورة 25 يناير، أصبحت تسير من سيء إلى أسوأ، وعرض المستثمرون مشاكل ومعوقات الاستثمار في المناطق الصناعية على جهاز المدينة ببني سويف الجديدة، وعلى المحافظة، وعلى الشركة القابضة للمياه والصرف الصحي ببني سويف، دون أي حل على الأرض.

 

وبعد الثورة، تراجع المستثمرون الذين كانوا في المراحل الأولى من مشروعاتهم، حيث ألغى اثنان من المستثمرين إنشاء مصنعين للألمونيوم وصناعة الورق، بمساحات ضخمة بجوار مصنع حورس، وذلك لأن قبل الثورة كان المستثمرون يعرضون أي مشاكل خاصة بالاستثمار على الجهات المختصة، وكانت تقوم بالحل الفوري لها أما الآن فلا توجد “إدارة رشيدة”.

 

محسن الجبالي، رئيس جمعية مستثمري بني سويف، يقول إن هناك مصانع أُغلقت بالفعل بسبب سوء الأوضاع الأمنية والسياسية في مصر، والتي انعكست على الاستثمار في بني سويف وباقي المحافظات، مشيراً إلى أن ملف المصانع المتعثرة تم طرحه على وزارة الصناعة أكثر من مرة، كان أخرها في أغسطس الماضي ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء لحل مشكلات هذه المصانع حتى الآن.

 

المصانع لا تحتاج لمعدات أو لأصول ثابتة، ولكنها تحتاج فقط إلى سيولة نقدية من البنوك، لشراء مستلزمات إنتاج، لتستطيع تدوير عجلة إنتاجها، حيث أن هذه المصانع تعمل بربع طاقتها مما اضطرها للاستغناء عن عدد كبير من العمالة، وهذا يضر بالوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وذلك رغم افتتاح الدكتور هشام قنديل، رئيس الوزراء السابق، أربعة مصانع ببني سويف، بتكلفة 262 مليون جنيه، هي مصنع لصناعة المواد الغذائية، وبانوراما فودز للصناعات الغذائية، والنصر لتصنيع الحاصلات الزراعية، والزهراء للصناعات المعدنية.

 

وفي سياق متصل، تقول مسئولة بجهاز مدينة بني سويف الجديدة، طلبت عدم ذكر اسمها، إن المنطقة الصناعية بمدينة بني سويف الجديدة تتبع جهاز تنمية مدينة بني سويف الجديدة للصناعات الخفيفة والمتوسطة، وإنها أنشئت بقرار رقم 643 لسنة 1986، رغم البدء في إنشائها عام 1987 بمساحة 664 فدان، وتم تفعيل استثمارات مخصصة مطلوبة لعدد 57 مشروع منتج بتكلفة 60 مليون جنيه بعمالة 1553 عامل، وهناك 46 مشروع تحت الإنشاء بتكلفة 57 مليون جنيه بعمالة 1910 عامل، و43 مشروع مخطط إنشائها لم يحدد تكلفتها بعد، وتتنوع المشروعات بين “غذائية، وغزل ونسيج، وخشب، وكيماوية أساسية، وهندسية، وكهربائية”.

 

وتم تخصيص منطقة الصناعات الخفيفة والمتوسطة، من خلال الهيئة العامة للتنمية الصناعية، كما أوضحت مسئولة جهاز المدينة، مشيرة إلى أن بني سويف تتميز بتوافر الموارد الصناعية والمواد الخام، لقربها من القاهرة، وذلك يسهل عملية التسويق، وأن المنطقة بها مصانع كبيرة وضخمة تعمل على تشغيل عدد كبير من العمالة من أبناء بني سويف، ونفت أن تكون معوقات المصانع من مسئولية جهاز المدينة، مؤكدة أنها مسئولية الهيئة العامة للتنمية الصناعية والجمعيات الاستثمارية، التي تنظر فيما يعرض عليها من شكاوى من المستثمرين وتقوم بحلها.

 

وينتج مصنع الحديد والصلب ببني سويف مليون طن حديد وبيليت، بحسب قول أحمد أبو هشيمة، مستثمر وشريك في المصنع، الذي يعد أول مصنع حديد تسليح في الصعيد، مشيرا إلى أن إجمالي ما يسيطر عليه في السوق من حديد تسليح خلال العام القادم 2014 هو 20%. ويضيف أبو هشيمة أن من المصاعب التي قابلته أثناء الشروع في إنشاء المصنع، هو دفع ثمن رخصة المصنع بعد الثورة، بسبب خوف المسئولين من التوقيع علي الرخصة، حتى حصل عليها في الخامس والعشرين من يوليو 2011.

 

وتعد مشكلة الانفلات الأمني أهم المعوقات التي تواجه الاستثمار في بني سويف، حيث لا توجد نقطة شرطة واحدة في أي منطقة صناعية، مما أثر علي عمليات النقل والشحن والتفريغ، لتخوف أصحاب وسائل النقل من عمليات السرقة بالإكراه، التي تتم تحت تهديد السلاح والتي تصل لحد القتل، مما أدى إلى عزوف العديد من الشباب عن العمل بتلك المناطق بحثا عن الوظائف الحكومية، ليجد المستثمرين أنفسهم مجبرين علي الاستعانة بالعمالة من جنوب شرق آسيا‏.‏

 

ويعتبر عيد مبارك، رئيس جمعية مستثمري بياض العرب، مشكلة المادة الخام، من أهم المشاكل التي تواجه عملية الاستثمار في بني سويف وخاصة المصانع، وذلك بسبب رفض الشركات الحكومية التعامل مع المصانع بغير سبب واضح، مشيراً إلى أنهم كمستثمرين ورؤساء جمعيات قاموا بتقديم العديد من الشكاوى، باسم جمعية مستثمري بياض العرب بخصوص ذلك ولم يصل أي رد، إلى جانب عدم إقبال أبناء المحافظة من الشباب على العمل بالمصانع، لضعف الأجر، وصعوبة المواصلات، وطول فترات العمل.

 

ويذكر حامد صديق، رئيس منطقة بياض العرب الصناعية، أنه تم تخطيط المنطقة الصناعية على مساحة 750 فدانا عام 2000، لتضم ثمانية قطاعات نوعية، وذلك على أن يتم منح الأرض للمستثمرين بالمجان، وأنه قد تم توصيل المرافق للمنطقة بشكل سريع لاستيعاب المستثمرين الذين تدفقوا على المنطقة، مما أدى لعيوب الصرف الصناعي وانقطاع المياه لساعات طويلة.

 

وعن مشكلة انقطاع الكهرباء، قال صديق إن محطة كهرباء شرق النيل التي تغذى منطقة بياض العرب الصناعية على وشك الانفجار، بسبب محاصرة مياه الصرف الصحي لها، مؤكدا أن المستثمرين طرحوا كل مشاكل المنطقة على رئيس الوزراء السابق، الذي وعد بحلها على الفور وتوفير مبلغ مائة مليون جنيه خلال زيارته الأخيرة لبنى سويف، لاستكمال توصيل المرافق إلى المنطقة، وإقامة محطة معالجة للقضاء على مشكلة الصرف الصحي والصناعي بالمنطقة.

 

يشكو رئيس منطقة بياض العرب الصناعية من بطء تنفيذ خريطة الاستثمار في بني سويف، لأن القرارات تصدر مركزيا، ورغم تحمله المسئولية الكاملة إلا أنه لا يملك صلاحيات تنفيذية، مما يؤدى لمشاكل كثيرة فالمناطق الصناعية تابعة للهيئة العامة للتنمية الصناعية، إلى جانب مشكلة ازدواجية القرارات، مما يتطلب هيكلا إداريا واضحا وثابتا للمناطق الصناعية، وتوفير مزايا للعاملين بالهيئة لتفادي المشاكل، بحسب قوله.

 

مديرة مكتب الاستثمار بالمحافظة لمياء جلال، تقول إن الاستثمار فى بنى سويف، يواجه حاليا مشكلة ندرة الموارد المالية التي تحتاجها المناطق الصناعية بشرق النيل لتزويدها بالمرافق، حيث كان يقوم صندوق دعم تطوير وإنشاء المناطق الصناعية، والذي يتبع هيئة التنمية الصناعية بوزارة الصناعة، بتوفير الدعم والإنفاق على أعمال البنية الأساسية قبل الثورة في مناطق بياض العرب وكوم أبو راضى، ولكن بعد الثورة لم يصل المحافظة حتى الآن أي تمويل من صندوق الدعم، رغم وجود مستخلصات بالمحافظة تم الانتهاء منها، إلا أنه لا توجد سيولة لتسديدها.

 

تشير مسئولة الاستثمار إلى أنه تم مخاطبة هيئة التنمية الصناعية، ورفع الأمر لوزير المالية، لإرسال تمويل لمستخلصات بمبلغ 35 مليون جنيه، وذلك سيكون له تأثيره على الاستثمار فى بنى سويف فى المرحلة القادمة، لعدم اكتمال أعمال البنية الأساسية، وتوقف المقاولين عن العمل خاصة في منطقة كوم أبو راضى الصناعية، مضيفة أنه بعد إدخال المرافق إلى مساحة 165 فدان تم حجزها بالكامل، وترفيق مرحلة ثانية بمساحة مائة فدان أخرى، إلا أنه لا يوجد تمويل لكل ذلك حاليا، وأنه بعد أن كانوا يعدوا المستثمرين بخطة زمنية لتسلم الأرض، أصبحوا في وضع حرج في ظل الظروف التي تشهدها البلاد.

 

ورغم كل هذه المعوقات التي تواجه الاستثمار ببني سويف، فإن موقع المحافظة يعدد الفرص الاستثمارية المتاحة في المجال الصناعي، بأن هناك إقامة مشروعات الغزل والنسيج وتفصيل وتطريز المنسوجات، وإقامة مشروعات غزل ونسيج السجاد والكليم وتصنيع الملابس الجاهزة والملابس القطنية الداخلية، وإنتاج القطن الطبي ونسيج الوبرة وتصنيع آلات الميكنة الزراعية، وإقامة صناعة التعبئة والتغليف، وإقامة صناعات الورق، وصناعات الأخشاب بكافة أنواعها “أثاثات – موبيليات”، والصناعات الكيماوية كالمنظفات ومستحضرات التجميل، إلى جانب إنتاج الطوب الأسمنتي والطفلي وصناعات الفخار والسيراميك، وتصنيع أجهزة الكمبيوتر والمسجلات والتليفزيون وأجهزة التكييف، وإقامة الصناعات الالكترونية الحديثة والدوائر المتناهية الصغر ومستلزماتها، وإقامة صناعة المواد البلاستيكية وإنتاج محولات جهد كهربائية، وإنتاج أسلاك تليفون وتليفزيون وأطباق، وإنتاج أدوات كهربائية ومفاتيح، وإنتاج أوناش علوية، وإنتاج طلمبات رأسية غاطسة، ومقصات وتنيات صاج، وإنتاج مسبوكات ألمونيوم وتصنيع الصنادل النهرية، وإنتاج رشاشات مبيدات حشرية، ولعب أطفال معدنية، وانتاج عدد ونصال ماسية خاصة بنشر الرخام.

 

وفي حديث لـ”المندرة” مع المستشار ماهر بيبرس، محافظ بني سويف السابق، قال إنه منذ توليه ويعمل على جذب الاستثمارات للمحافظة، لإيجاد فرص عمل وتعظيم الاستفادة من موقع المحافظة القريب من القاهرة، مشيراً إلى أن المحافظة جذبت استثمارات عديدة، منها الموافقة على 163 مشروع بتكلفة استثمارية تصل إلى 21 مليار جنيه في الفترة الأخيرة.

 

وأضاف بيبرس أنه استعان بفريق عمل متخصص، وابتكر مراكز ترويج استثماري لوضع بني سويف على خريطة الاستثمار المحلى والعالمي، مشيراً إلى أن هذا أدى إلى وجود مصنع لإحدى الشركات الإليكترونية العملاقة على مستوى العالم، في منطقة كوم أبو راضى غرب مركز الوسطى، وهي مصنع سامسونج باستثمارات تصل لتسعة مليارات جنيه، وهو تقريبا أعلي استثمار لشركة واحدة في مصر، وبدأ العمل في المصنع منذ بداية مايو الماضي وتم توظيف عدد كبير من العمالة الذين لا تقل رواتبهم العادية عن ألفي جنيه، والمهندسين 15 ألف جنيه، وتم إرسال عدد منهم للخارج لاكتساب وزيادة المهارات، ومن المنتظر أن يصل حجم الصادرات في العام الأول إلى مليار جنيه، بالإضافة إلى تنمية المجتمع المحلى المحيط بالشركة.

 

وشدد بيبرس على أنه طالب، خلال عهده، وزيري المالية والصناعة باستكمال أعمال المرافق والصرف الصحي بالمنطقة الصناعية لبياض العرب، لما تمثله تلك المشكلة من معوقات علي الاستثمار المصري، حيث حصل علي ‏32‏ مليون جنيه لترفيق المناطق الصناعية، وتم الاتفاق مع شركة مياه الشرب والجيش وجميع الهيئات الخاصة بالمرافق، على أن تكون تلك المناطق الصناعية مرفقة بالكامل في غضون ثلاثة‏ أشهر‏، مؤكدا أنه اتفق مع مستثمر أجنبي على إنشاء محطة معالجة ثلاثية لمياه الصرف الصناعي تتكلف المرحلة الأولي منها ‏ستة ملايين جنيه.

 

You must be logged in to post a comment Login