الأقصر تغني “صوفي” لتنشيط السياحة

مهرجان الاقصر

مهرجان الاقصر

** الأغنية الصوفية تتميز بلحنها البسيط السهل الذي تألفه الأذن بسهولة
**بعض الطرق تمنع الإنشاد وبعضهم لا يبيح استخدام الآلات الموسيقية
**”المولوية المصرية” و”سماع” و”الإنشاد الديني” أبرز الفرق الموسيقية الصوفية في مصر.
المندرة: محمد النجار
بعد 11 عاماً من التوقف، أعلن اللواء طارق سعد الدين، محافظ الأقصر، عن إحياء مهرجان الموسيقى الصوفية، وموسيقى الصعيد، الذي كان يقام غرب المدينة التاريخية، تحت اسم “القرنة ع الخط”. ويهدف المهرجان الجديد، الذي سيقام في نوفمبر القادم، تحت اسم “الأقصر”، إلى اجتذاب فرق موسيقية تراثية وصوفية من بلدان المغرب العربي، والسودان، وبعض البلدان الأفريقية، لتنشيط السياحة، وجذب أنماط جديدة من السياح، لكن كيف وصلت الأغنية الصوفية إلى هذه المكانة التي جعلت الدولة تستخدمها لتنشيط السياحة، وكيف انتشرت الطرق الصوفية في مصر؟

 

بدأت البذرة الأولى للطرق الصوفية في الظهور في القرن الثالث الهجري، وانتشرت فبلغت ذروتها خلال القرن السابع الهجري، وأصبح لها مكانتها بين الناس وصار لرجالها كلمة مسموعة في الدولة، وأصبحت الصوفية من القوة المحركة لمشاعر المجتمع المصري، وانتشرت في كل محافظات مصر ومن أشهرها والرحيمية القناوية، والجنيدية الخلوتية، والجودية الخلوتية، بصعيد مصر، السادة الرفاعية، والسطوحية الأحمدية، والحصافية الشاذلية، بالقاهرة، والنقشندية، والهاشمية الشاذلية، و الشرنوبية البرهامية، بالإسكندرية.

 

فن الإنشاد الصوفي
ومثلما انتشرت الصوفية في مصر، انتشر فن الإنشاد الصوفي ولم يعد مقصورا على إنشاد المنشدين، وإنما استوعب كل فنون الطرب وألوانه خاصة ما يؤثر في الوجدان ويتماشى مع مشاعر الجماهير، وساعد على ذلك ظهور شعراء أفذاذ امتازت أشعارهم بالرقة والعذوبة مثل ابن الفارض، وابن عربي، وقد طورا الشعر بما يرضى الذوق الموسيقى، ويساعد على تلوين الفن الغنائي.

 

ويقدم الإنشاد الصوفي في حلقات الذكر، وجلسات الاستماع، وفى احتفالات الطرق الصوفية بالموالد، وله أصوله، وتقاليده داخل المجتمع الصوفي، فيدوروا حول مركز دائرة يتمثل في منشدهم أو شيخهم، عكس عقارب الساعة بما يوازى حركة الطواف حول الكعبة الشريفة، ويندمجون جميعا كالجسد الواحد ويرتقون بصفاء فيهجروا العالم المادي ويسبحون إلى الوجود الإلهي، والكلمات يجب أن تكون دينية خالصة، والموضوع يتمثل في الحب الإلهي، والمدائح النبوية ومدح آل البيت وكراماتهم، والألحان ذات طابع ديني تسمو بالروح وتبعدها عن الشهوات الدنيوية.

 

والمايسترو فى هذه الحلقات يسمى “قائد الذكر”، ويقوم بضبط الحركة، والإيقاع، ويجب أن يكون ذي أذن موسيقية وخبرة حضور لدى الذاكرين، والصوت البشرى هو العنصر الرئيسى فى حلقات الذكر، يدعمه “التصويت الصدرى” للذاكرين، من خلال إخراج هواء التنفس بطريقة خاصة تعتمد على خروج الهواء بطريقة مسموعة على دفعات، وتكون بعض حلقات الذكر مصحوبة بالآلات الموسيقية، ويكون دور هذه الآلات أداء الألحان، والحفاظ على الزمن، وتنشيط الذاكرين، وتجميل الإنشاد، ومن هذه الآلات “الدف”، و”الرقِّ”، و”الناي”، و “السلامية”، وهى من فصيلة آلة “الناي”، وتستخدم الطريقة الجازولية الحسينية آلتي “الكمان”، و”العود” وتستخدم الطبول بأنواعها والمزامير والصنوج فى المولد.

 

والألحان الصوفية تتناقلها الأجيال داخل كل طريقة، مع وجود تشابه في روح الألحان الصوفية نفسها، مع إضافة كل منشد لمساته معتمدا على الارتجال اللحني في الأداء المنفرد، وتتميز الأغنية الصوفية بلحنها البسيط السهل الذي تألفه الأذن بسهولة.

 

عصر الازدهار

ازدهر هذا الفن في عصر الفاطميين، وذلك لاهتمام الدولة بالاحتفالات المجتمعية ، فهم أول من أقاموا الاحتفال برأس السنة الهجرية، وبليلة المولد النبوي الشريف، وليلة أول رجب، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة أول شعبان ونصفه، وغرة رمضان، ويوم الفطر، ويوم النحر، وهم الذين قاموا بالاحتفال بمولد أمير المؤمنين على بن أبى طالب، ومولد ولديه الحسن والحسين، والسيدة زينب، ويوم النيروز “شم النسيم” ويوم الغطاس وخميس العهد مشاركة للنصارى في شعورهم الديني، وكانت الأناشيد الدينية عصب هذه الاحتفالات مما دفع المنشدين لتطويرها بشكل غير مسبوق.

 

كما أن ظهور الفرق الصوفية المصرية، لم يكن وليد اللحظة فالطرق الصوفية في مصر أكثر من مائة طريقة ولكل منها أسلوب خاص في تكوين الحضرة، والإنشاد التابع لها، وهذا جعلها تربة خصبة لانتشار هذا الفن، ويختلف الإنشاء الصوفي داخل المسجد عن خارجه، كما تختلف ألحان المدائح النبوية، وعدد الطرق الصوفية في مصر، أكثر من مائة طريقة ولكل منها أسلوبها الخاص في تكوين الحضرة والإنشاد التابع لها.

 

الدولة.. والطرق.. والإنشاد
حاولت الدولة منع الغناء والإنشاد الصوفي، ففي عام 1881 صدر منشور رسمي يمنع الغناء أثناء الحضرة، فهاج الصوفيون حتى تم تعديل المنشور عام 1905 وسمح بالإنشاد في حلقات الذكر.

 

وبعض الطرق تمنع الإنشاد في المجالس مثل الطريقة النقشبندية والطريقة الخلوتية فهم يتلون أورادهم وأحزابهم في نغم هادئ دون الاعتماد على الإنشاد، أما الطريقة العروسية الشاذلية فهي لا تبيح استخدام الآلات الموسيقية، بينما يحتل الإنشاد مساحة كبيرة في الحامدية الشاذلية والطريقة الشبراوية، والطريقة الجازولية الحسينية.

 

فرق الإنشاد الصوفي

وتعتبر فرقة “المولوية”، من أشهر الفرق الصوفية، ويقودها المنشد عامر التوني، و”المولوية” أحد الطرق الصوفية السنية التي أسسها الشيخ جلال الدين الرومي، ودخلت مصر مع الفتح العثماني، وكان يطلق عليها اسم مسرح الدراويش، بدأت في عهد السلجوقيين في قونيا بتركيا، حيث أثرت في الفن والتدين التركي، ومنها انتشرت في أماكن أخري من البلاد الإسلامية، وكان يطلق على أتباع “المولوية” في مصر الدراويش أوالجلاليون نسبة إلى جلال الدين الرومي. لمزيد من التفاصيل من هنا.


 

 

وهناك أيضا فرقة النيل للإنشاد الديني التي تأسست عام 1957 على يد الفنان زكريا الحجاوى، عندما قام برحلته الشهيرة في قرى مصر، لتجميع الفنانين الشعبيين من موسيقيين، ومطربين، وراقصين، والتي أثمرت في النهاية عن تكوين أول فرقه للفنون الشعبية في مصر تحمل اسم فرقة الفلاحين، وقد اتخذت القاهرة مقرا لها، وتقدم عروضها في المناسبات، والأعياد القومية، والدينية، لقطاعات كبيرة من الجماهير، حيث تعرفت على أشهر وأمهر الفنانين الشعبيين في مصر واستمرت حتى عام 1969 برعاية وزاة الثقافة. لمزيد من التفاصيل عنها من هنا.

 

 
وفرقة ابن عربي العالمية التي أحيت ليلة النصف من شعبان في قاهرة المعز، بتصريح من عبد الله منصور منشد الفرقة. لمزيد من التفاصيل من هنا.

 

 

أما فرقة سماع للإنشاد الديني، ومؤسسها انتصار عبد الفتاح، فقد مزجت بين الفن الصوفي والترانيم المسيحية، ليخرج إلينا بفرقة من أجمل الفرق التي يمكنك سماعها، فتتجسد فيها سماحة الأديان، حيث يذيب الفن كل الفوارق ليتحدوا معاً ويتحدثوا لغة واحدة، وهي الغناء الروحاني المنزوع منه كل الشهوات. لمزيد من التفاصيل من هنا.


 

وفن الإنشاد الصوفي لم يقتصر على الفرق فقط، فالمنشدون لهم دور أيضاً، أمثال المطرب الصوفي زين محمود، ولقبه بين محبيه الشيخ الفرنسي، ومن أشهر أعماله الأغنية الشهيرة يبكى و يضحك، من فيلم باب الشمس.

 

 
وأمثال ساقي الأرواح الشيخ أحمد التوني المداح الصوفي، وكبير شيوخ المنشدين بمصر، والعالم العربي، الذي فقدناه في مارس الماضي، حيث استطاع بأدائه وتفوقه على نفسه، أن يصبح نجماً في سماء الموسيقي الروحية، وأن يخرج بالغناء الصوفي من المحلية إلى العالمية، وقد عشق التوني مدح رسول الله وآل بيته الكرام ومن أهم أغانيه “الله محبة” والتي انتشرت انتشاراً ضخماً بين أوساط المصريين.

 


مهرجان الأقصر

وفي نوفمبر القادم سوف تستضيف الأقصر المهرجان الدولي للموسيقي الصعيدية والصوفية، ضمن احتفالات الأقصر بالذكرى السنوية لاكتشاف مقبرة وكنوز الفرعون الذهبي الملك “توت عنخ آمون”، وسوف يكون هذا المهرجان قبلة للفرق الصوفية من جميع أنحاء الوطن العربي، وبعض البلدان الأفريقية.

 

You must be logged in to post a comment Login