الآثار حائرة بين رفض ‘‘التأجير’’ وقبول ‘‘حق الانتفاع’’ المشروط

**عرض إماراتي لتأجير أماكن سياحية بينها معابد الأقصر يثير جدل في الأوساط الأثرية.. والوزارة: الشركة مصرية وليست إماراتية ونشترط الشفافية للموافقة على العرض

**منسق عام نقابة الأثريين: نشترط إشراف الدولة على المشروع

 

المندرة: علاء الدين ظاهر

الأقصر: أسماء أبو بكر الصادق

وسط الأزمة المالية الطاحنة التي تعيشها وزارة الآثار، والمستمرة حتى الآن، بسبب انخفاض الإقبال السياحي على المواقع والمتاحف، خلال الأحداث التي تمر بها مصر، يتلهف البعض إلي الحلول العاجلة للأزمة، أو هكذا يتصورون، إلا أن تلك الحلول تجد اعتراضات شديدة، وهو ما جعل الدنيا تقوم ولا تقعد عندما طرحت فكرة تأجير الآثار، أو ما اصطلح على تسميته ‘‘حق الانتفاع’’، لأهم الأماكن السياحية بالدولة، على رأسها معابد الأقصر.

 

الأزمة بدأت بسبب خطاب تلقته وزارة الآصار قبل شهر من إحدى الشركات المصرية الخاصة، أبدت رغبتها في القيام بتطوير بعض المواقع الأثرية الإسلامية والمصرية، مثل قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة، وقلعة قايتباي بالإسكندرية، وبعض آثار الأقصر، وتجهيزها بأحدث وسائل التكنولوجيا المتطورة.

 

وازدادت الأزمة حدة بعد ما تردد عن أن تلك الشركة إماراتية، حيث كانت قد نشرت جريدة “المسائية” في أعداد سابقة، تقارير عن استمرار عرض كنوز الآثار المصرية في الخارج بالمخالفة للقانون، وأن هناك دولا خليجية عرضت على وزارة الآثار تأجير بعض المناطق الأثرية في مصر مثل منطقة آثار قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة ومنطقة قلعة قايتباي بالإسكندرية ومعابد مدينة الأقصر، وذكرت أن شركة ‘‘بروآكت وورلدProact World ’’، أرسلت خطابا حاولت فيه إخفاء كونها شركة إماراتية، وذكرت أنها شركة مصرية وإقليمية متخذة من الشكل الصليبي علامة مائية لها، وجهته للدكتور مصطفى أمين، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار.

 

اتضح بعد ذلك أن الشركة مصرية، تتخذ من الإمارات مقرا إقليميا لها، ولا تتبع حكومة الإمارات، وهو ما أكدته الوزارة لـ‘‘المندرة’’، حيث قال حسن سعد الله، مدير مكتب إعلام وزارة الآثار، ‘‘الكلام ده غلط وردينا عليه أكثر من مرة، واللي اتكلم عنه الإعلام، لكن مالوش أساس من الصحة، الشركة اللي تقدمت هي شركة مصرية وصاحبها مصري، ولها مقرات في بعض الدول العربية منها الإمارات، وصاحب الشركة كذب ذلك في بعض القنوات’’، كما تردد أن العرض لا يتضمن تأجير أو استغلال المواقع الأثرية، بل توفير الموارد المالية لتطويرها وصيانتها مقابل نسبة من العائد المادي لتلك المواقع.

 

المثير للجدل، أن تلك الفكرة مع ما لاقته من رفض شديد، وجدت من يقبل بها في وزارة الآثار مع بعض ما سمي بـ ‘‘الضوابط’’، وكان محمد عبد العزيز، مدير مشروع تطوير القاهرة التاريخية‏ في وزارة الآثار، من أوائل المؤيدين للفكرة، وقال لـ‘‘المندرة’’، إن تلك الفكرة مطبقة في معظم الدول العربية، وكثير من الدول الأوروبية، وتدر دخلا كبيرا على تلك الدول.

 

وتابع: عرض الشركة الإماراتية يتضمن قيامها بتطوير بعض المناطق الأثرية، وإعادة توظيفها مقابل نسبة من الأرباح، وهذا العرض أصاب المواطنين ومسئولي الآثار بالذعر، وسارعوا بنفي الموافقة عليه، دون مناقشته وتطويره بشكل كافي، يمكن من خلاله الموافقة عليه، دون الإخلال بأي ضوابط وشروط للحفاظ على الآثار. وأضاف أن الكثير من الحفلات تنظمها شركات في مواقع أثرية كثيرة مقابل رسوم ونسبة من عائد تلك الحفلات لصالح وزارة الآثار.

 

وتعجب عبد العزيز من رفض ذلك في حين تقبل طلبات من الشركات الخاصة، رغم أنه يمكن الموافقة على ذلك مع وضع الضوابط والشروط التي تقنن ذلك الأمر وتحفظ مصلحة الآثار دون الإضرار بها، وأكد أنه في عام 2010 طرحت الآثار مناقصة عامة، لإعادة توظيف مطعم ‘‘ماماي السيفي’’، ببيت القاضي، بجوار قسم شرطة الجمالية، كمطعم سياحي خمس نجوم، وحينها لم يعترض أحد على ذلك، حيث تم وضع ضوابط صارمة على من سيقوم باستغلال المكان، خاصة اشتراط عدم تقديم أو مصادر للاشتعال حتى لا تؤثر على الأثر.

 

واستطرد: فكرة إعادة توظيف الآثار مطبقة في كل الدول العربية، مثل سوريا، والمغرب، وتونس، ولبنان، ودول شرق آسيا، حيث أن تلك الفكرة تحافظ علي الأثر أفضل من تركه مغلقا لسنوات عديدة، ليكون عرضة للأتربة والحشرات، خاصة أن المواثيق الدولية المتعلقة بالتراث الثقافي، ومنها ما هو صادر عن اليونسكو، تؤكد علي أن إعادة توظيف الآثار أحد ضرورات الحفاظ عليه، ولا أفهم الرفض المطلق لإعادة التوظيف، وفي ختام كلامه، أكد أن هذا لا يعني أبدا بيع الآثار أو تأجيرها كما يقال.

 

الدكتور مختار الكسباني، أستاذ الآثار الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، ومستشار وزارة الآثار، لم يختلف رأيه عن من سبقه، حيث قال لـ ‘‘المندرة’’ إنه يوافق على تلك الفكرة على أن تتم بشفافية ووضوح، وبخبرة والتزام، وليس شرطا أن تكون الشركة مصرية ولو كانت حتى من ‘‘بلاد واق الواق’’، طالما أن ذلك سيتم تحت إشرافي المباشر كجهة آثار.

 

وكشف أن عرض الشركة المصرية ومقرها الإمارات، لم يكن يتسم بالشفافية، مما أثار البلبلة، حيث أن هذا الطلب لا تتقدم به إلا الشركات المتخصصة في إدارة المواقع التراثية، والتي لديها خبرة سابقة في التعامل مع التراث، والحفاظ عليه دون تغيير معالمه.

 

وفجر ‘‘الكسباني’’ مفاجأة، بقوله إن الحكومة كانت في طريقها لقبول عرض الشركة الإماراتية، بإيعاز من بعض الأشخاص بمكتب الوزير الدكتور محمد إبراهيم، لولا أن ثلاث قيادات بالوزارة كانوا”مصحصحين”- حسب قول الكسباني، وأصروا على معرفة تفاصيل أكثر عن تلك الشركة المتقدمة بالعرض، وأنشطتها، وسابق أعمالها في مجال العرض المقدم، وهو ما جعل الموضوع ينتهي برفضه.

 

أضاف ‘‘الكسباني’’: أنا على استعداد لوضع برنامج توظيفي للتراث الخاص بنا، بما يخدم الحفاظ عليه، وفي نفس الوقت يدر عائدا على الدولة، خاصة إننا حتى الآن لم نستغل إلا 5% من إمكانيات تراثنا الثقافي، وأكد على أهمية وجود كوادر بالوزارة، تكون قادرة على إدارة أعمال تراثية، بهدف إحداث تنمية اقتصادية.

 

اختتم ‘‘الكسباني’’ كلامه، بالتذكير بدور المجلس الأعلى للآثار، والذي ينص في قانونه على إنشاء إدارة عامة للتسويق والتنمية الاقتصادية، والتي تختص بتطوير وتسويق الآثار، بما يخدم مصلحة الأثر،ليدر عليه دخلا، ومنها مثلا وضع إعلانات ودعاية على تذاكر زيارة المتاحف والآثار، وهو نظام متبع في هيئة النقل العام وغيرها، وأكد أنه بالرغم من وجود تلك الإدارة منذ أكثر من 30 عاما، إلا أنها لم تفعل حتى الآن.

 

علي طه عمر، المشرف على إدارة التدريب والتنمية البشرية بالقاهرة التاريخية قال لـ‘‘المندرة’’ إنه يرفض تلك الفكرة تماما، ‘‘وإن كنا مضطرين لتنفيذها فليكن ذلك بأيدي وشركات مصرية، خاصة أن مصر بها الإمكانيات والكوادر التي تستطيع فعل ذلك حتى لو بتمويل أقل’’، وأكد على أهمية أن تبدأ بشكل منظم، وأن تكون هناك إدارة ذات كفاءة للقيام بذلك، مشيرا إلى أن أفضلية الشركات من داخل مصر على الشركات من الخارجية، حيث أن العائد سيكون بأكمله لمصر.

 

أما صلاح الهادي، منسق عام نقابة الأثريين، قال إن هذا الموضوع شائك جدا، ورغم اعتراضه على الفكرة، إلا أنه يبدي مرونة في الموافقة عليها، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر على الآثار، واشترط أن يكون الإشراف على التنفيذ له الأولوية لوزارة الآثار، تفاديا لأية مخالفات وأنشطة تضر بالمباني الأثرية.

 

الأزمة كانت قد تفجرت قبل عام في نفس التوقيت الحالي، حينما تقدم أحد المواطنين لوزارة المالية، عندما كان يتولاها المرسي حجازي، بمقترح مشروع يعطي حق انتفاع المناطق الأثرية الشهيرة بمصر، لمدة تتراوح ما بين ثلاث وخمس سنوات، لصالح شركات عالمية، مقابل جزء من العائد المادي الذي تحصل عليه تلك الشركات.

 

وتردد حينها أن العرض كان مقدما من قطر، مقابل 200 مليار دولار، وهو ما وجد رفضا كبيرا من الأثريين، ورفضته وزارة الآثار في أحد اجتماعاتها الرسمية، وهو نفس الإجراء الذي قامت به الوزارة مع الخطاب الأخير.

 

You must be logged in to post a comment Login