المنزل النوبي.. ألوان مبهجة وزخارف من أقدم العصور

** المكانس والليف والتماسيح المحنطة.. أدوات تزيين البيوت النوبية قديمًا

**أشاد به رحّالة الحملة الفرنسية.. واستعان به “ألماني” في تصميم “الجونة”

 

أسوان : داليا أحمد        

“تمتاز بالروعة فى مظهرها، وتتناسق عمارتها، برغم إقامتها من اللبن الممزوج بجريد النخيل وجذوعه ” هكذا  وصف الرحالة الفرنسي  “ديتون ” البيوت النوبية البسيطة، تلك البيوت التي تختطف أبصارك بألوانها الزاهية، وزخرفتها المميزة وهي تجمع رسومات من عصور قديمة متنوعة .

 

اعتنى النوبي القديم ببيته وحنط عليه الحيوانات ورصد كافة خيالاته علي جدرانها، واستخدم كل ما أتيح له من ألوان، ليرسم صورة تعبر عنه، وبعد عملية التهجير عام 1964، حاول أن يتمسك بتراثه حتي لا يفقده مع مرور الزمن، فشرع في تطوير رسوماته، وأضاف إليها تصميمات حديثة زينت جدران منزله، لتصبح شهرة البيت النوبي عالمية يلجأ إلى تصميمها عشاق التجديد بدءًا من المعماري المصري الراحل حسن فتحي، الذى استمد بعض أفكاره من هذا الطراز، وانتهاءً بالمعماري الأمريكي الشهير “مايكل جريفث”، مصمم مدينة الجونة المصرية بالبحر الاحمر على الطراز النوبي.

 

حيوانات محنطة وأطباق خوص

منذ قديم الزمان لجأ النوبي إلى استخدام عناصر حقيقية لتزيين منزله، فكان يضع الأدوات المستخدمة في الاحتفال بالأفراح علي جدران المنزل، على ألا تُزال من عليها إلا بعد مرور أسبوعًا كاملًا على الزفاف، كما كان للأطباق المستديرة المصنوعة من الخوص والملونة بألوان زاهية دور في تجميل حوائط المنزل الداخلية، وما زالت هذه العادة تسكن البيوت النوبية إلى الآن، حيث تقوم ربة المنزل بصناعة تلك الأطباق في أشكال تملأه البهجة والحياة، باستخدام ألوان تبعث على الأمل، تحرص على شرائها بنفسها من السوق.

 

وتضم الزينة النوبية المعلقة على الجدران داخل وخارج المنزل مكانس يدوية من ليف النخيل، أو المراوح الصغيرة ذات اللون الأخضر والأحمر والأرجواني والبرتقالي، وكانت تستخدم تلك المكانس الصغيرة في كنس الأرضيات الطينية، بالإضافة إلى أعلام صغيرة مربعة منسوجة ذات مقبض قوي، وهي تستخدم كمراوح أو لطرد الذباب، وكانت تعلق على الجدران لجمال مظهرها.

 

لم يكن النوبي يستخدم تلك الأشياء للزينة فقط، فبعضها كان يستخدمه لمنع الحسد، مثل قيامه بتحنيط التماسيح  لتمنع العين، وكذلك المرايا ومصابيح السيارات وقطع صفيح علي شكل أهلة، كما استخدم حدوة الحصان لجلب الحظ أما أطباق الطعام فكانت توضع فوق الأبواب لإثبات وفرة الخبز في المنزل، هذا إلى جانب تحنيط الغزلان والطيور.

 

­

زخارف ودلالات من مختلف العصور

الفن النوبي كغيره من الفنون يتأثر بالأجواء السياسية، وتعد هنا الزخرفة النوبية من أكثر الزخارف، التي عبرت عن عصور متفاوتة منذ الفراعنة مرورًا بالمسيحية وحتى دخول الإسلام.

 

وقت اضطهاد المسيحيين في مصر، الذي بلغ مداه على يد الإمبراطور الروماني “دقلديانوس”، اتجه المسيحيون إلى بلاد النوبة للفرار من الاضطهاد، حيث وجدوا فيها الأمن والأمان، ومن هنا ظهرت العديد من الرسومات المتوارثة منذ المسيحية، مثل رسوم الأزهار والحيوان والطير، فمع دخول هذه الديانة قل الاهتمام بالأساطير في الرسومات، وأصبح الاتجاه نحو التحوير والزخرفة والطابع الشعبي، واستخدام الألوان الزاهية، وظهر على شواهد القبور مجال التصوير الديني، وقد استُخدمت فيه زخارف الصلبان المحفورة، وزهور ودوائر وزخارف مضفرة ومتكسرة وأغصان العنب وعناقيده بأسلوب محور.

 

ومع دخول الإسلام بدأ النوبي في تغيير رسوماته، ليتناسب مع الديانة الجديدة، فاتجه لكلمات “الله أكبر”، و”الحمد لله”، كما اتجه لرسم الهلال والنجمة وهما رمزان إسلاميان يوحيان بالتفاؤل، وكذلك القطة السوداء، في حين أنه استخدم رسومات الزهور والورود لتدل على الصداقة والمحبة، أما الإبريق وسجادة الصلاة فكانا دليلًا على الطهارة والنقاء.

 

أما الآن، وبعد مرور النوبة بظروف قاسية على مدار 4 عمليات تهجير، أدت، في النهاية، إلى اندثارها تحت مياه السد العالي، قرر النوبي أن يستخدم موهبته الفطرية للتعبير عن مرارة هذه الهجرات، فلجأ إلى التعبير عنها، وعن تراث وطنه، الذي كاد أن ينتهي، بالصخر والطين والرسوم والمخطوطات والتصوير.

 

وظهرت الزخارف والنقوش بشكل أوسع أثار الإحساس المعماري والهندسي، الذي يسود هذه التصميمات، ويجعلها تبدو أكثر روعة وجمالًا برغم بساطتها، كأنها مدن شامخة أو معابد قديمة تحتفظ بالطابع المعماري الراقي.

 

استخدم النوبي زخارف شبه غائرة، فمنها ما يتخذ شكل المربعات والمثلثات والأسطوانيات المجوفة، فتبدو أحيانًا على هيئة أهلة أو أعمدة أو نجـــوم، بجانب طائفة من الرسوم تنقش بلون أبيض، وتأتي على شكل وحدات زخرفية تمثل بعضها أشجار أو طيور أو أبل وأحيانا عرائس، وهناك وحدات ذات أشكال هندسية مخصصة تصور هذه العناصر مجمعة بجوار بعضها البعض، حتى تبدو للناظر إليها من بعيد كما لو كانت كتابات منتقاة من لغة قديمة، وتبدو المنازل وهي مكسوة بتلك الزخارف الخطية الرقيقة، كأنها طرزت بها.

 

معمار عالمي وألوان صارخة

ولم يكن سر البيت النوبي هو زخرفته فقط، بل إن معماره الفريد هو الذي جعل أشهر معماريي العالم يأخذون أسلوبه الفريد، فها هو المعماري المصري حسن فتحي يجيب عن سر اهتمامه بالطراز النوبي وتبنيه له “أنه وجد فيه الحل المناسب، إن لم يكن الأمثل لمشكلة شديدة الإلحاح، هى توفير بيت لكل فلاح فقير فى الريف المصري، بتكلفة اقتصادية منخفضة تناسب دخل هذا الفلاح، على ألا تنتقص هذه التكلفة المنخفضة من حقه فى أن يكون له بيت متين وواسع ومريح وجميل”، حيث أدرك فتحي فطرة النوبيين فى البناء والتشييد والتصميم، كما لو كانوا من كبار المصممين.

 

ولم يكن للمعماريين المصريين فقط الدور في استخدام هذا الطراز بل استعان به كبار معماريي العالم لتصميم القرى السياحية مثلما فعل المهندس المعماري الألماني كورت فولتزكي عندما صمم قرية الجونة المصرية بالبحر الأحمر، والتي أبهرت كل من يزورها.

 

وما زالت الألوان الصارخة تلعب دورًا كبيرًا في جذب الأنظار للبيت النوبي، فحتى عصرنا الحالي يعتمد أهل أسوان على ألوان البيوت النوبية في اجتذاب السياح، لِمَا لها من تأثير يسحر القلوب.

 

ولأهالي النوبة ميول وشغف بارز لألوانٍ بعينها أكثر من غيرها مثل اللون الأحمر المائل إلى الزرقة، واللون البنفسجي واللون الوردي، وكذلك اللونين الأبيض والأزرق لارتباطهما بلون النيل والسماء الزرقاء، التي طالما شيدت عليها بيوت النوبيون قبل التهجير.

 

وتلوين المنزل وتزيينه ما زال يشغل النوبي حتى وقتنا الحالي، فيستخدم أزهى الألوان، التي تُدخل السرور على النفس، وتفنن في رسم لوحات تدل على الزمن القديم، وأبرز عاداته وتقاليد،ه مثل وجه امرأة وهي تحمل الطبق الخوص، أو المراكب الشراعية في النيل، هذا إلى جانب رسم النخيل والحمام وأمواج النيل المتكسرة، فلم يعد يكتفي بأساليب التزيين  القديمة بل أضاف إليها لمسة فنية عبر لوحاته.

 

وعلى الرغم من مرور عصور طويلة على الحضارة النوبية منذ الملك الفرعوني النوبي “كوش” وحتى وقتنا هذا، ما زال النوبي يحاول الحفاظ على سمة منزله الأصلية في الزخرفة والألوان والمعمار الفريد، ليبقي شاهد ودليل على قدرة اهل النوبة في صنع البهجة بفطرة فنية سليمة.

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *