“أم طارق”.. الفلاحة الأمية التي أصبحت أشهر فنانة فطرية ببني سويف

أم طارق وفنها الزيتي

كاميرا: محمد حسين

بني سويف: محمد حسين

لم تتصور الفلاحة البسيطة، التي نشأت في أحضان حقول بني سويف، أن لوحاتها الفنية الفطرية، أو التماثيل الطينية، التي تقوم بنحتها، وهى تمارس عملها بالحقل، ستأخذها يوما لتصبح أشهر فنانة فطرية فلاحة ببني سويف، هي فائقة عبد القادر عبد العليم، وشهرتها “أم طارق”، وهي من مواليد 1946 بمركز إهناسيا بمحافظة بني سويف.

 

تتكون أسرة أم طارق من خمسة بنات وولد واحد والأب، الذي كان يعمل رئيس بحارة، والأم التي كانت تعمل ربة منزل، وجدتها، التي كانت أكثرهم تشجيعا لها، وكان والدها يقضي معظم الوقت في عملة، والأبناء يرعون الأرض والمواشي، وكانت هي تنتهز فرصة وقت القيلولة “بعد الظهر”، لتبدأ في عمل تماثيل الطين.

 

بدأت الحاجة فائقة ممارسة هذا الفن في السابعة من عمرها، حيث كانت تقوم بنقل عائلتها من البيت إلى الحقل من خلال فنها، فتنحت جدتها وعماتها وخالاتها وهن في البيت يقومن بأعمال البيت، فمثلا تنحت من الطين شكل عمتها وهى تقوم “بخض القربة” لكي تخرج لهم السمن، وخالتها وهى تجلس أمام الفرن البلدي لكي تصنع العيش الشمسي، وتنحت أيضا جدتها والتي كانوا يطلقون عليها قديما لقب “حنا”، وهى كلمة تأتى من الحنان، فتصنع حنتها وهى تحكى لأحفادها الحواديت ليلا.

 

كان والدها لا يهمه ما تفعله وتنحته، أكثر من اهتمامه بضرورة مراعاة أبنائه جميعا للمواشي، والأرض، ولكن جدتها كانت تقف بجوارها وتشجعها على ممارسة هذا الفن، وظلت هكذا إلى أن تزوجت في سن الثانية عشرة من صاحب ورشة “دوكو سيارات” بقرية منقريش ببني سويف، وانشغلت بالحياة الزوجية، وتربية الأبناء، حيث أنجبت أربعة أبناء، هم طارق ويعمل مهندسا بدولة الإمارات العربية، وسهير حاصلة على بكالوريوس تجارة ومتزوجة من مأمور ضرائب، وخالد حاصل على دبلوم صناعة معدات ثقيلة، وعامر حاصل على دبلوم زراعة.

 

وفي عام 1998 ذهبت أم طارق إلى البنك لتقوم بصرف شيك، وعندما استخرجت الختم النحاسي لموظف البنك، لتختم به، لأنها أمية لا تستطيع أن تمضي، استهزأ بها أحد الشباب، وقال “هي لسه الحديدة دي موجودة يقصد الختم النحاسي”، مما دفعها إلى الذهاب للهيئة العامة لمحو الأمية ببني سويف، لتقاوم أميتها. وهناك، طلبوا منها تكوين فصل من ثلاثين طالبا، فقامت بتجميع تسعين أميا شباب وبنات من عزب قريبة من بني سويف، هي “بلبل – ستدراك – على بيه – الشركة – أبو عقل”، حتى تكون المسافة قريبة عليهم.

 

ذهبت الحاجة فائقة لمركز الإعلام ببني سويف، وقابلت مدير المركز سلامة مدكور حينها، وتم فتح فصلين للبنات وفصل للشباب، ووفر المركز لهم ماكينات حياكة وتريكوه، وأثناء الدراسة جاءت لجنة تفتيش على الفصول بمركز الإعلام، كان فيها العميد وحيد الفشنى، وعميدين آخرين، ومروا على الفصول، وسألوا عمن لديه صنعة حرفية، فقام معظم الحاضرين، وقامت معهم الحاجة فائقة وهى لا تدرى ما هي صنعتها، فسأل العميد وحيد الفشني جميع الواقفين عن صنعتهم، وجاء عندها ليسألها عن صنعتها فلم تستطع الرد في البداية، إلا أنها قالت “أنا بعمل مساخيط كده وبحرقهم في الفرن عشان أحفادي يلعبوا بهم في البيت”.

 

جاء اكتشاف فن الحاجة فائقة، حيث استدعاها العميد وحيد الفشنى في مكتب مدير المركز، وقال لها “هبعت معاكى عربية وسواق وتجيبى الحاجات اللى انتى عملاها فى البيت هنا”، فأحضرت الحاجة فائقة كل ما صنعته في المنزل من طين، وتأكد العميد أنها صاحبة المشغولات، فأرشدها إلى قصر ثقافة بني سويف، وأنها ستقابل هناك الحاجة زهرة، مسئولة المواهب، وهناك تم تشكيل لجنة لاختبارها، ومعرفة إذا ما كانت هي التي تصنع هذه الأعمال الفنية من عدمه، وبالفعل اجتازت الاختبار، وتمت الاستعانة بأعمالها في معارض القصر في الأعياد القومية، والمناسبات الفنية.

 

تشير الحاجة فائقة، إلى أنه أثناء تواجدها بقصر ثقافة بنى سويف، رأت لأول مرة أطفالا وشبابا يستخدمون الرسم بالزيت، وأمسكت الفرشاة، وأحبت العمل بهذا الفن، وطلبت من المسئولين بالقصر، إشراكها في ورشة عمل لفن الرسم بالزيت التلقائي أو الفطري، ورسمت العديد من اللوحات الفطرية الفنية الجميلة المتمثلة في الطيور المنزلية، التي تربيها، والماشية التي كانت ترعاها، مضيفة أن هذا الواقع كان بمثابة المفجر لطاقاتها الإبداعية الفنية، والشعرية حيث أنها ألفت كثير من قصائد الشعر وألقتها في مؤتمرات وحفلات عديدة، وحصلت على جوائز عديدة في هذا الفن. ومنذ عام 2000، والحاجة فائقة تشارك في معارض ثقافية وفنية في بني سويف وفي القاهرة والجيزة والإسماعيلية وأسيوط والوادي الجديد. حصلت الحاجة فائقة، على العديد من الشهادات من قصور الهيئات الفنية المختلفة، وتم تكريمها في القاهرة والأقصر وبورسعيد، كما حصلت على درع من جامعة القاهرة عام 2011، وميدالية من متحف طه حسين، إلى جانب حصولها على العديد من الجوائز المادية.

 

وعن المقتنيات الخاصة بالحاجة فائقة، فتتمثل في ثلاثة مجسمات منحوتة بدار الأوبرا بالقاهرة، ولوحة زيت عن الريف، وقطعة نحت لهرم ميدوم بديوان عام محافظة بنى سويف، ولوحة زيتية عن الريف بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ولوحة زيتية عن ثورة 25 يناير، وهى أجسام منحوتة من الفوم بقصر ثقافة بنى سويف.

 

ورغم ما حققته من إنجازات، فإنها تشعر بالظلم للتفريق بينها وبين الفنانين الأكاديميين، لأنها فلاحة، فتقول إنها حزنت عندما رجحت لجنة التحكيم في إحدى المؤتمرات أحد الفنانين عليها لأنة متعلم، رغم أنها تمتلك أكثر من موهبة، فهي ترسم على الزجاج، وعلى السيراميك، وترسم لوحات زيتية فائقة الجمال، وتنسج من الشعر أبيات تصغي لها الآذان. وترغب الحاجة فائقة في المنافسة خارجيا مع فناني الدول الأخرى.

 

You must be logged in to post a comment Login