أمل دنقل.. جاء للحياة أملا وعاش رافضا ورحل مؤثرا

**تحمل مسئولية أسرته وهو في العاشرة من عمره وترك الدراسة الجامعية وبدأ تجربته الشعرية بعد النكسة

المندرة: سارَّة سعيد

كانت ولادته بمثابة بشرى خير لوالده عالم الأزهر، الذي حصل على إجازة العالمية في نفس عام ولادته، فسماه ‘‘أمل’’ تيمنا بالنجاح الذي حققه. وعلى النقيض كان رحيله عن الحياة حيث استسلم أمل دنقل في أواخر أيامه لمرضه، وعبر عن مرارة التجربة في ديوانه الأخير ‘‘أوراق الغرفة 8’’. وُلد أمل دنقل في أسرة نوبية عام 1940 بقرية القلعة مركز قفط بقنا.

 

تحل اليوم ذكرى وفاته، حيث توفى في 21 مايو عام 1983 بغرفة رقم 8 بمعهد الأورام عن عمر يناهز 43 عاما، بعد صراع امتد مع مرض السرطان، نُقل على إثره إلى معهد الأورام بالقاهرة. وكان ذلك بعد زواجه من الكاتبة عبلة الرويني، التي كانت تعمل في جريدة ‘‘أخبار اليوم’’، بتسعة أشهر فلم تساعدهما الظروف أن يعيشا معا حياة زوجية طبيعية بعد قصة حب بدأت من خلال حوار أجرته معه لنشره في الجريدة التي تعمل بها وانتهى بالزواج.

 

في البداية واجه أمل دنقل المرض، فوافق على اجراء عملية استئصال للورم لعلها ترحمه من الآلام، وبالفعل نجحت العملية لكن بعد فترة اكتشف الأطباء ظهور ورم آخر حتى تم نقله إلى غرفة رقم ‘‘8’’، وكانت تلك الغرفة التى نُقل إليها مصدرا لاستلهام أخر قصيدة له ‘‘أوراق الغرفة 8’’ والتي عبر فيها عن معاناته مع مرض السرطان وتصوراته عن الحياة، ولحظات ما قبل الموت.

فى غُرَفِ العمليات كان نِقابُ الأطباءِ أبيضَ

لونُ المعاطفِ أبيض

تاجُ الحكيماتِ أبيض،أرديةُ الراهبات، الملاءاتُ،

لونُ الأسرّةِ، أربطةُ الشاشِ والقُطْن، قرصُ المنوِّمِ، أُنبوبةُ المَصْلِ،

كوبُ اللَّبن، كلُّ هذا يُشيعُ بِقَلْبى الوَهَن.

كلُّ هذا البياضِ يذكِّرنى بالكَفَنْ!

 

تحمل المسئولية من صغره، ففي سن العاشرة الذي يلعب فيه الأطفال ويلهو وجد أمل نفسه مسئولا عن أسرته بعد وفاة الأب، فأصبح رب أسرة لأمه وشقيقيه اللذين يصغراه. أنهى دراسته الثانوية في قنا وسافر للقاهرة ليدرس بكلية الآداب لكنه انقطع عن الدراسة منذ عامه الأول مثلما فعل عبد الرحمن الأبنودي وعادا إلى قنا، وعمل دنقل موظفا بالمحكمة هناك ثم عمل بين جمارك السويس والإسكندرية.

 

كان يمثل أمل دنقل مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودي ويحيى الطاهر الثلاثي البارز في تاريخ الأدب والشعر، بدأت علاقة أمل دنقل بالأبنودي في مدرسة قنا الثانوية حينما تدخل الأبنودي لإنقاذ زميل له من خناقة في ‘‘حوش المدرسة’’ وكان هذا الزميل من أشد أصدقائه فيما بعد، فسرعان ما صارا أشهر صديقين بالمدرسة واقتربت أحلامهما من بعضها حتى جاء لهم مدرس الفرنساوي القاهري الذي حكى لهما كثيرا عن القاهرة، وكبار الأدباء والمثقفين بها، مما أثار لديهما حب السفر للقاهرة واستكشافها.

 

بعد انتهاء المرحلة الثانوية، كان الصديقان يفكران بنفس الأمر، السفر للقاهرة التي اشتاقا لرؤيتها من كثرة الكلام عنها، كانا سفرهما في بداية السيتينيات للدراسة، لكنهما تخلفا كثيرا عن المحاضرات وذهبا

إلى نادى القصة، ورابطة الأدب الحديث، وجمعية الأدباء، ونسيا الجامعة، وانشغلا بالثقافة والأدب عن الدراسة، وأراد أن يسلكا طريق الأدب والشعر وتنمية الموهبة الشعرية التي بدأت تظهر عليهما، فأنفقا كل أموالهما على شراء الكتب وعادا للصعيد للبحث عن وظيفة.

 

“لا تسألْني إن كانَ القُرآنْ

مخلوقاً..أو أزَليّ.

بل سَلْني إن كان السُّلطانْ

لِصّاً.. أو نصفَ نبيّ” !!

 

كانت توجهاته الشعرية معارضة دائما للحكومة ولسياستها، فعُرف أمل دنقل بـ ‘‘شاعر الرفض’’، فلم يكن يخشى أن ينتقد فردا مهما كان منصبه وسلطته، مما جعله يتعرض للقهر السياسي والتعتيم الإعلامي، وحاولت الحكومة كثيرا اقصاءه من على الساحة لكنه لم يستسلم، وجعل من شعره سلاحا يتصدى به لمن يخطأ. ومن أمثلة ذلك قصيدة ‘‘لا تصالح’’ والتي اعترض من خلالها على ذهاب الرئيس الراحل محمد أنور السادات لإسرائيل، وانتقد فيها معاهدة ‘‘كامب ديفيد’’.

لا تصالحْ!

ولو منحوك الذهبْ

أترى حين أفقأ عينيكَ

ثم أثبت جوهرتين مكانهما..

هل ترى..؟

هي أشياء لا تشترى..

 

تجلت موهبته الشعرية منذ مطلع السيتينيات، لكنها تبلورت في نهاية ذلك العقد عندما أطلق أول شعره عام 1969 في ديوان ‘‘البكاء بين يدي زرقاء اليمامة’’، وهو الديوان الذي عبر فيه عن الشعور العربي المحتقن بعد نكسة 1967، وقد ساعده شعوره بالحزن على بلده والجنود في كتابة كلمات صادقة، حتى رأى بعض النقاد أن البداية الفعلية لأمل دنقل كانت بعد النكسة، فهي ساعدته على تبلور تجربته الشعرية وزادت من احساسه بانهيار المجتمع.

أيتها العرافةُ المقدسة..

جئتُ إليكِ.. مُثخنًا بالطعناتِ والدماء

أزحفُ في معاطفِ القتلى، وفوقَ الجُثَثِ المكدسة

منكسرَ السيف، مغبر الجبين والأعضاء.

 

تسببت قصيدته ‘‘الكعكة الحجرية’’ التي كتبها عام 1972، في إغلاق مجلة ‘‘سنابل’’ التي نشرتها وفصل رئيس تحريرها. وكانت القصيدة تحكي عن تمجيد مظاهرات الطلبة التي تطالب بحسم موقف مصر من اسرائيل، وإدانة عنف السلطة ضد الطلبة ومظاهراتهم واعتقال البعض. صدر لأمل دنقل ست مجموعات شعرية هي: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، تعليق على ما حدث، مقتل القمر، العهد الآتي، أحاديث في غرفة مغلقة، أوراق الغرفة 8. وقد جمع شعره في ديوان واحد وسماه ‘‘ديوان أمل دنقل’’.

بين لونين: أستقبِلُ الأَصدِقاء

الذينَ يرون سريرى قبرا.. وحياتىَ دهرًا

وأرى فى العيونِ العَميقةِ لونَ الحقيقةِ

لونَ تُرابِ الوطن!

You must be logged in to post a comment Login