أضرحة الأولياء بالفيوم..قصص ضائعة ومزارات أسبوعية وموسمية

الفيوم: هالة إمام وسعاد مصطفى

كاميرا: سعاد مصطفي

هي ظاهرة عميقة، تمتد جذورها في تاريخ المصريين وحاضرهم سواء على المستوى الفكري أو الاجتماعي، يثور الجدل حولها، ما بين المؤيد والمعارض، فيما يتعلق بزيارتها أو حلقات الذكر التي تقام عندها أو موالد الأولياء، لأسباب بعضها ديني والبعض الآخر اجتماعي. تتعدد الأضرحة في محافظة الفيوم، مثلها في ذلك مثل العديد من المحافظات وعلى رأسها القاهرة التي يطلق عليها مدينة الأضرحة وأولياء الله الصالحين لكثرة ما بها من أضرحة للأولياء ومشاهد لأهل البيت، حاولت “المندرة” رصد أهم الأضرحة في الفيوم ومعرفة تاريخها وردود الأفعال حولها.

 

ضريح الروبي.. أكبر الأضرحة

على بعد أمتار من “أبو العدايم” عثرنا على أول قصة في ضريح “الشيخ علي الروبي” الأثري والذي يعد أكبر أضرحة الفيوم، وتحمل المنطقة التي يقع فيها اسمه “حي الروبي”.

 

بمجرد أن تعبر مدخل الضريح الأثري تجد نفسك في ساحة الضريح المتسعة، في نهايتها باب يؤدي إلى الضريح نفسه، داخل غرفة الضريح في المنتصف تقع تركيبة خشبية تعلو قبر الروبي، وهو عبارة عن لحد، ويحيط بها سياج خشبي، وتوجد أيضا غرفة جانبية صغيرة بنفس المكان مدفون بها الشيخ محمد، ألحقت هذه الغرفة بالضريح في العهد العثماني عندما تم تجديده، ويقع مسجد الروبي ملاصقا لساحة الضريح والتي يوجد بها المدخل المؤدي لمصلى السيدات، في حين يقع مدخل الرجال مجاورا للساحة.

 

عاش صاحب الضريح، الشيخ علي الروبي، بمصر في العهد المملوكي، حيث عاصر الظاهر برقوق الذي كان تلميذا له، ويقال أن الروبي بشر برقوق بتوليه السلطنة عندما كان لا يزال أميرا، وعندما تولى بالفعل سلطنة مصر بني لأستاذه مقاماً ومسجداً ليجتمع فيه بمريديه من أجل العبادة والذكر، وألحق بالمسجد مئذنة ذات سلمين، وظل يحفظ لأستاذه الود حتى وفاته.

 

ويتصل نسب الشيخ الروبي بالبيت العباسي، حيث يمتد إلى الخليفة المأمون العباسي، والذي يمتد بدوره إلى العباس، عم الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وبداخل ضريح الروبي تم العثور على لوحة خشبية كُتب عليها “بسم الله الرحمن الرحيم.. ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون..هذا ضريح الشيخ العابد الزاهد علي الروبي..انتقل إلى رحمة الله في السادس والعشرين من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة”، ويوافق هذا التاريخ عام 1391 ميلادياً.

 

أنشئ الضريح والمئذنة الأصليين السلطان برقوق، أما الضريح والمئذنة الحاليان فيرجع بناؤهما للعصر العثماني في عهد الأمير أحمد كتخذا، الذي قام بتجديد مسجد وضريح ومئذنة الروبي عام 1717م.

 

الأضرحة المسجلة والمزيفة

يبدو اختلاف النظرة إلى الأضرحة بين الأهالي في محيط ضريح الروبي وزوار الضريح واضحا، فمن ناحية ليس لدى الكثير من الأهالي معلومات موثقة عن صاحب الضريح، وهو ما يعبر عنه أحدهم بقوله “نشأت منذ صغري على سماع أن هذا ضريح لولي صالح اسمه الشيخ علي الروبي، ولكن في الواقع لا أعرف شيئا عنه أو عن مدى صحة المعلومات التي سمعتها”، يأتي ذلك رغم أن ضريح الروبي يعد أكبر أضرحة المحافظة، وهو ضريح أثري تهتم به إدارة الآثار الإسلامية والقبطية بالفيوم.

 

يتداول الأهالي أيضاً قصصا حول أضرحة وهمية، منها قصة لتاجرين دفنا حمارهما وأذاعا أنه ولي صالح حتى يتكسبا ممن سيقبلون على زيارته.

 

يؤكد سيد حسني، نائب الطريقة الرفاعية عن بندر الفيوم، أن كل الأضرحة الموجودة على مستوى الجمهورية والأولياء الموجودين بها، مسجلين بنسبهم لدى المشيخة العامة للطرق الصوفية بمصر.

 

ويضيف “إداريا يوجد بالفيوم ثلاث وكلاء مشايخ، وكيل مشيخة عن المحافظة، وعن البندر، ومركز الفيوم، يمثلون جميعا المشيخة العامة للطرق الصوفية بمصر، وفي كل مركز من مراكز الفيوم الست وكلاء مشايخ يتبعون المشيخة العامة، وكل منهم يعرف ما الأضرحة المسجلة، مشيراً إلي أنه إذا التبس الأمر على أهل قرية يرجعون إلى وكيل المشيخة العامة عندهم، وإذا كان الضريح فعلا غير مسجل يُهدم رسمياً.

 

تتمثل الأضرحة المسجلة لدى إدارة الأوقاف في مركز الفيوم في ضريح الروبي، والشيخة مريم، والنافع، كذلك الشيخ المغربي في بني صالح بنفس المركز، وفي أبشواي هناك ضريح الشيخ الصايم، والعجماوي، والشيخ وعيد في سنورس، وهي أضرحة مسجلة لدي الإدارة لأن الأوقاف هي المشرفة على صناديق النذور بها، ويتم فتحها مرتين في العام بحضور ممثلين عن كلاً من إدارة الأوقاف والشرطة ثم يعاد تشميعها مرة أخرى.

 

أضرحة بلا قصص:

يعد ضريح “الشيخة مريم” من أشهر الأضرحة في الفيوم اسما، ويقع مقامها بمسجد صغير لها بوسط البلد، ينطلق اسمها كثيراً على ألسنة راكبي المواصلات العامة قائلين للسائق “معاك الشيخة مريم”،عندما يكون مقصدهم في المنطقة التي يقع بها ضريحها، إلا أن معرفتهم بصاحبة المقام تنتهي عند هذا الحد فلا أحد يعلم قصتها أو من أين جاءت، ولماذا بني ضريح من أجلها أو حتى هوية بانيه، حتى إمام المسجد الذي أكد لـ”المندرة” أنه عين مؤخراً ولا فكرة لديه عن صاحبة الضريح الذي يحتل غرفة بمسجده، ولا يعرف أحدا لديه مثل هذه المعلومات.

 

مسجد “الشيخ عامر” بحي الصوفي كان به ضريح له ولكن تمت إزالته مع تجديد المسجد وترميمه منذ حوالي 7 سنوات. تقول منى حسان، من أهالي الحي “كانت هناك نصبة في منتصف مصلى السيدات يأتي الناس لتدور حولها، ولا تزال بقايا الأخشاب التي كانت فيما قبل تشكل النصبة موجودة في أحد جوانب المسجد”، مؤكدةً أن الشيخ تم دفنه بهذا الضريح، مشيرةً إلي أن والدها كان يحدثها عنه وعن إنسانيته منذ صغرها وكانت تأتي لزيارته.

 

ويقول علي عبد الفتاح، قاطن بالحي، إنهم منذ أن وعوا علي الدنيا وهم يسمعون قصص عن كرامات الشيخ وقدرته على رؤية غير المرئي، مشيراً إلي أنه بخلاف ذلك لا توجد معلومات مؤكدة عنه أو حتى ما إذا كان مدفوناً هنا بالفعل أم لا.

 

أما ضريح “الشيخ سعد وسعيد” الذي يقع على رأس شارع تحمل لافتته القديمة نفس الاسم، يقول الأهالي إن الضريح قديم ويرجع إلى القرن التاسع عشر، ومدفون به الأخوان سعد وسعيد، ويقول إن زوجة الشيخ سعد مدفونة أيضاً به.

 

تنتشر الأضرحة في مراكز الفيوم وقراها فهناك ضريح “الشيخ وعيد” في سنورس، و”الشيخ حسن” بقرية الأعلام التي تقع على مشارف مركز الفيوم، وتقول سماح، مفتشة وواحدة من أهالي القرية “الضريح يقام في الأرياف لشيخ صالح تقي يروى أنه بعد موته يطير كفنه ليهبط في مكان معين فيكون عنده ضريحه”.

 

وهناك ضريح “أبو العدايم” بحي الروبي، وهو ضريح صغير مجهول القصة، أكد أحد أهالي المنطقة أن قبته انكسرت منذ ثماني سنوات وكانت معرضة للسقوط فقام بإصلاحها وترميمها على حسابه، رغم أنه لا يعلم شيئا عن الراقد تحتها.

 

قيمة أم بدعة

يؤيد إبراهيم رجب أحمد، مدير عام الشئون الأثرية بإدارة الآثار الإسلامية والقبطية بالفيوم، الحفاظ على الأضرحة الأثرية كقيمة تاريخية ومعمارية، مؤكداً أن ضريح الروبي ومنطقة المبيضة بوجه عام تعد من أقدم المناطق بالفيوم”.

 

اتفقت معه إحدى مفتشات الآثار بالإدارة، التي رفضت ذكر اسمها، حيث تقول “أنا مع الحفاظ على الموجود منها بالفعل، ولكني لست مع بناء أضرحة جديدة، إذا بني كل واحد منا لشيخ تقي يحبه ضريحا سنتحول إلى بلد للقباب، كما أنه مع استمرار الوقت يتحول المقصد إلى خرافة، وتنسج الأساطير حوله”.

 

كان لأحمد، الذي عرف نفسه بأنه من أبناء التصوف بالفيوم، رأيا مختلفاً، حيث يقول إن هناك بعض الممارسات والتصرفات تحتاج إلي تهذيب، مشيراً إلي أنه يأخذ على تصرفات البعض عند زيارة الأضرحة، مؤكدا أن التوعية وليس وقف بناء الأضرحة هي الحل، واستطرد قائلاً “لولا أن هؤلاء الأولياء كانوا صالحين مصلحين محبوبين لدى الخلق، ما بنيت هذه المقامات”، وتساءل “كم من الموتى لدينا كل يوم هل كل من يموت نقيم له مقاما؟”.

 

في المقابل، يعارض أحد أهالي المنطقة، زيارة الأضرحة من منطلق ديني مستشهداً بحديث الرسول الذي يقول “لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى”، ورأى أن الموتى لا يملكون ضرا ولا نفعا للأحياء، فهم لا يملكون شيئا لأنفسهم حيث ينقطع عملهم بعد الموت ولا يتبقى لهم إلا ما عملوه في حياتهم، بحسب قوله.

 

يرد عليه (أ.أ) بأن المسلمون الأوائل أقاموا مقاما لحضرة النبي (صلى الله عليه وسلم)، وليس هذا استثناء للنبي وحده، فأبي بكر وعمر وضعا معه في نفس المقام، مضيفا “التوجه بالدعاء يكون لله، ولكن هناك أماكن يكون لها خصوصية عن أماكن أخرى ويستحب فيها الدعاء، وقبر الولي الصالح روضة من رياض الجنة لذلك فالدعاء في مثل هذا المكان المبارك أقرب للاستجابة”.

 

يعيدنا عزت رمضان، موجه بالتربية والتعليم، إلي الجانب الاجتماعي قائلاً “المصريون يحبون آل البيت”، حيث يرى أن زيارة الأضرحة مشهد معتاد ومنتشر في المجتمع المصري، ويذهب الناس لزيارة مشاهد آل البيت كالحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة، وأضرحة الأولياء كضريح الإمام الشافعي، مستدركا “الممارسات الخاطئة التي يقوم بها بعض زوار الأضرحة هي التي لا نقبلها كاعتقادهم مثلا في قدرة صاحب الضريح على الشفاء، أو التوجه بالدعاء إليه”.

 

الأضرحة عند الصوفية

يرى محمد الحنبولي، مسئول التوعية والإرشاد بالطريقة الصوفية الرفاعية أن زيارة الأضرحة لها آداب، تبدأ بدعاء زيارة المقابر عند الدخول على صاحب الضريح المعروف بأنه من الأولياء الصالحين، وتكون الخطوة التالية قول “السلام عليك يا ولي الله..لا أدعوه ولكن أدعو الله في مكان أظن أنه من مواضع قبول الدعاء”.

 

ويتابع “أحيانا أجد من يقف أمام الضريح ليقول: والنبي يا روبي اشفي لي ابني. فأسأله هل تتوجه إلى هذا من دون الله، والرد دوما: حاشا لله.. بس ده راجل بركة.. بالتمس البركة منه ومن المكان المتواجد فيه”، مشيراً إلي أن دوره هنا أن يوضح له أن الزيارة لها آداب، موضحاً أنه يقول له “قول يا رب.. وإن كنت تحب هذا الشخص وترى أنه صالح فابتغي إلى الله الوسيلة به”، إلا أنه يرى أنه إذا كنت ستبتغي إلى الله الوسيلة، فأقرب الوسائل هي رسول الله.

 

يوضح الحنبولي أن بعض الممارسات لا يجب أخذها بظاهرها، ضاربا مثلا بتقبيل البعض للأعتاب والمقام، قائلاً “الذي يظهر أن الزائر يقبل هذا الحجر أو العمود الموجود في المقام بينما هو يقصد أن يقبل من بداخله، والموقف هنا لا علاقة له بالتقديس ولكن بالحب”.

 

مزارات دينية

إذا قمت بجولة حول الأضرحة ستلاحظ بسهولة ندرة المترددين عليها، ويبدو أن زيارتها أصبحت أكثر ارتباطا بالمناسبات الدينية، من مولد النبي إلى رمضان، حددت إحدى البائعات على ناصية الشارع المؤدي إلى مسجد الروبي الفترة التي يقبل الناس فيها على زيارة الضريح، وهي فترة مولد الروبي الذي يبدأ في نصف شعبان.

 

“لم يعد الإقبال على الأضرحة كالسابق” قالها محمد حسني، خادم مسجد الروبي وأحد أهالي المنطقة، مستطردا “عندما كنت صغيرا لم أكن أستطيع دخول ساحة الضريح في مولد الروبي من كثرة الزائرين والآن لا يحضر حتى نصفهم”، ورأى أن ذلك يرجع إلي انشغال الناس بأعمالهم.

 

يذكر أن ضريح الروبي يشهد زيارات منتظمة كل يوم جمعة من المواطنين وممثلين للطرق الصوفية، ويقيمون حلقة للذكر بعد كل صلاة جمعة.

2 Responses to أضرحة الأولياء بالفيوم..قصص ضائعة ومزارات أسبوعية وموسمية

  1. احمد حمدي 11:26 مساءً, 20 أغسطس, 2014 at 11:26 مساءً

    ينقصكم كثير من الاوراق الموثقه انا احد سلسال سيد الناس وهو من اوقف المقام وهو المدفون بالضريح المجاور للشيخ الروبي ولدي من الاوراق والمستندات ما يكفي

  2. الطيب الركابي 12:40 مساءً, 11 نوفمبر, 2015 at 12:40 مساءً

    شرك x شرك …. اعوذ بالله

You must be logged in to post a comment Login