مصطفى لطفي المنفلوطي.. الأديب والشاعر صاحب المقولات الخالدة

مصطفى لطفي المنفلوطي

مصطفى لطفي المنفلوطي

**تأثر بالإمام محمد عبده ورحل عن القاهرة بعد وفاته.. ونشر أول كتبه في 3 أجزاء

** تميزت كتاباته برهافة الحس وسُجن بسبب قصيدة

 

المندرة: هدير حسن

“الحب شقاء كله، وأشقى المحبّين جميعًا، أولئك الذين يحبون بلا أمل، ولا رجاء”، “تبذير المال يضرّ قومًا، وينقع أقوامًا، أمّا حبسه فيضرّ صاحبه، ويضر معه الناس أجمعين”، “لولا أن ستارًا من الجهل والعصبية يسلبه كلّ يومٍ غُلاة الوطنية والدين أو تجّارهما على قلوب الضعفاء السَّذّج، لما عاش منكوبًا في هذه الدنيا”، تلك المقولات وغيرها كثير يعيد مرتادو “فيسبوك” و”تويتر”، موقعي التواصل الاجتماعي، نشرها مرة آخرى على حساباتهم باحثين فيها عما يعبر عنهم، على الرغم من عودتها إلى ما يقرب من قرن مضى لصاحبها الأديب مصطفى لطفي المنفلوطي.

 

ولد بمدينة منفلوط بأسيوط عام 1876، ويرجح البعض أن تاريخ ميلاده يوم 30 ديسمبر، وتربى في كنف أسرته ذائعة الصيت، وصاحبة الوجاهة، فقد ورثت القضاء الشرعي ونقابة الصوفيين، وكان والده من أصل مغربي، وينتسب إلى الإمام الحسين، أما والدته فكانت ذات جذور تركية، ودرس المنفلوطي بقريته، وحفظ القرآن الكريم بمكتب جلال االدين الأسيوطي، وعندما أتم الثالثة عشر من عمره انتقل إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر.

 

دراسته بالأزهر الشريف، فتحت أمامه أبواب الشعر والأدب، اللذين أظهر اهتمامًا وتعلقًا بهما، فدرس كتب الطبيعة والحكمة والأخلاق على يد الشيخ حسين المرصفي، وكان يقبل على الأشعار ويحفظها بسهولة، وتعرف إلى الإمام محمد عبده، وتقرب إليه، ولازمه طيلة عشر سنوات، وتعرف من خلاله إلى سعد زغلول، وإلى الشيخ علي يوسف، صاحب المؤيد (تعرف عليه هنا)، التي نشر على صفحاتها مقالاته.

 

وكان المنفلوطي متأثرًا بالإمام محمد عبده، حتى إن البعض رأى أنه أخذ طبعه، ونهل من شعره، وتصرف تصرفه، ولشدة تعلقه به كانت وفاة الإمام محمد عبده صادمة بالنسبة له، فعاد بعدها إلى بلده مرة آخرى، وأخذ يطالع فيها كتب الأدب القديم، فقرأ للجاحظ والمتنبي، مما شكل له طابع وأسلوب كتابة يختلف عن كُتاب جيله، وأقام في دواره الندوات الأدبية.

 

عاد المنفلوطي إلى القاهرة عام 1908، وقرر الاستقرار بها، في البداية كان ينشر مقالاته بعدد من المجلات الإقليمية مثل “الفلاح”، و”الهلال”، و”الجامعة”، و”العمدة” إلى أن وصل إلى “المؤيد” حيث نشر بها مجموعة كبيرة من المقالات نُشرت في كتابه “النظرات”، الذي نُشر على 3 أجزاء، صدر أولها في 1909، والثاني في 1912، والثالث في 1920، وضم ما يقرب من 83 مقالًا، و11 قصيدة. وكان للمنفلوطي أسلوب مميز في كتابة المقالات، حيث تميز بفصاحة التعبير، والحس المرهف، ورشاقة الأسلوب والدقة في استخدام الألفاظ.

 

القصيدة التي سجنته

قصائده الشعرية لم تكن واسعة الانتشار، ولكن إحداها تسببت في سجنه وشهرته، حيث كتب قصيدة في أثناء عودة الخديو عباس حلمي الثاني من إحدى رحلاته الترفيهية بأوروبا، وقال:

قدوم ولكن لا أقول سعيد**وملك وإن طال المدى سيبيد

بعدت وثغر الناس بالبشر باسم**وعدت وحزن في الفؤاد شديد

 

وتسببت هذه القصيدة في بقائه في السجن لمدة 6 أشهر في 3 نوفمبر 1897، وخرج بعد توسط الشيخ علي يوسف، والإمام محمد عبده لدى الخديوي، فأفرج عنه بعد أن قام الشاعر أحمد شوقي، أمير الشعراء، بتعديل القصيدة، بعد رفض المنفلوطي أن يقوم هو بذلك، فحوّلها شوقي إلى :

 

قدوم ولكن أقول سعيد**وملك وإن طال المدى سيدوم

 

قدم المنفلوطي عديد من العمال الأدبية، بخلاف كتابه “النظرات”، حيث قام بإصدار كتاب “العبرات”، الذي يضم 9 قصص عام 1916، وكانت قصصه مأخوذة من قصص فرنسية، هي: اليتيم، والشهداء، والذكرى، والهاوية، والجزاء، والعقاب، كما أصدر رواية “ماجدولين” عن رواية “تحت ظلال الزيزفون” للكاتب الفرنسي ألفونس كار، وروايات “الشاعر”، و”الفضيلة”، “في سبيل التاج” الفرنسية بالأساس، على الرغم من عدم قدرته على ترجمة الفرنسية، كان يستعين بأحد أصدقائه، ليترجم له ما يريد من القصص الأجنبية، ليعيد هو صياغتها بطريقته، ويضيف إليها من التراث الأدبي العربي، ويجعلها مقبولة وملامسة للواقع العربي، وهو أمر اختلف وتميز به المنفلوطي.

 

كتاباته لم تجلب له المال، فالمنفلوطي لم يتقاضَ أجرًا عليها، وإنما كان يعمل محررًا عربيًا بنظارة المعارف، وقت تولي سعد زغلول لها، وساهم حينها في إصلاح أسلوب الكتابة الذي كان يعاني من الركاكة، وأشرف على لغة الكتابة، وعندما انتقل سعد زغلول إلى وزارة الحقانية (العدل حاليًا) اصطحب المنفلوطي معه، وعمل على الارتقاء بأسلوب الكتاب بها، وتنقيتها من الركاكة، ووقت إنشاء البرلمان المصري، تم تعيينه بسكرتارية البرلمان “كاتم سره”، وكانت تلك آخر وظيفة عمل بها.

 

قالوا عنه

وعلى الرغم من الأثر الذي أحدثته كتابات المنفلوطي، حتى أن هناك من وصفه بأبلغ كتاب عصره، واعتبرته مجلة الهلال “أمير النثر العصري”، وقال عنه الكاتب أحمد حسن الزيات في كتابه “تاريخ الأدب العربي”: “كان المنفلوطي قطعة موسيقية في ظاهره وباطنه، فهو مؤتلف الخلق، متلائم الذوق، متناسق الفكر، متسق الأسلوب، منسجم الزي، لا تلمح في قوله ولا في فعله شذوذ العبقري، ولا نشوز الفدامة.. ثم هو إلى ذلك رقيق القلب عف الضمير سليم الصدر صحيح العقيدة نفاح اليد موزع العقل والفضل والهوى بين أسرته ووطنيته وإنسانيته”.

 

كان هناك مَنْ ينتقده، ويهزأ بأسلوبه، حيث قال عنه الناقد عمر فاخوري: “إن للمنفلوطي رأيًا عجيبًا في التعريب، وجرأة على التغيير والتحوير والقلب عاليًا على سافل، جرأة لا يسمح المؤلف نفسه لنفسه بأكثر منها”، وذلك في إشارة إلى طريقته في تعريب القصص والروايات الأجنبية، والتي تطرق لها المستشرق الفرنسي هنري بيريس قائلًا: “إن المنفلوطي لا يُبقي من النماذج التي بين ما يديه إلا ما يخدم رسالته، وعندما يشعر أن النص لا يسعفه، أو أن إسعافه ضعيف، فإنه يتدخل تدخلَا ذاتيًا، كيما يُضخم بمنطقه الشرقي فكرة داخل النص لا تكاد تبين لإيجازها”.

 

أما هو فقال في كتابه “الشاعر”: “أحب ان لا أنظم من الشعر إلا ما يجود به خاطري، وأن لا أنظم إلا بالطريقة التي أريدها أنا، لا التي يريدها الناس لي، وأن لا أمتع نظري إلا بمنظر الأزهار التي أغرسها بيدي في حديقتي”.

 

يوم رحيل المنفلوطي في 13 يوليو 1924، شهد محاولة اغتيال سعد زغلول من قبل شباب الحزب الوطني، فانصرف المعزون عن جنازته، واهتموا بالاطمئنان على سعد، بينما رثاه أحمد شوقي في قصيدته قائلًا:

اخترت يوم الهول يوم الوداع**ونعاك في عنف الرياح الناعي

هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم** جرح الرئيس منافذ السماع

من مات في فزع القيامة لم يجد** قدم تشيع أو حفاوة ساعي

 

وودعه حافظ إبراهيم، شاعر النيل، وقال:

 

رحم الله صاحب النظرات** غاب عنّا في أحرج الأوقات

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *