‘‘أزهر الصعيد’’.. أقدم مساجد قنا المُعلّقة

**المُسجد العُمري أهم مدارس تحصيل المعرفة في مصر القديمة.. وعام إنشاؤه محل جدل بين المؤرخين

 

قنا: سعيد عطية

يعتبر من أقدم مساجد ، بالرغم من اختلاف المؤرخين في تحديد وقت إنشائه، فبعضهم يُرجِعه إلى الفتح الإسلامي في عهد عمرو بن العاص، ويأخذون من تسميته ‘‘العمري’’ سندًا لذلك، وآخرون أرجعوا سبب تسميته إلى أنه أقدم مسجد في المدينة، حيث جرت العادة أن يُسمى أقدم مساجد مدينة ما نسبة إلى مسجد عمرو بن العاص بمصر القديمة، وهو الرأي الأرجح على حسب المؤرخين، الذين أرجعوا بناء المسجد العمري بقوس، لعام 550م، في العصر الفاطمي.

 

في عهد الأمير طلال بن رزيك، وزير الخليفة الفاطمي، وإلى مدينة قوص، ترجع قصة بناء المسجد، الذي فقد معالمه التاريخية بسبب التغييرات والتجديدات التي أُدخلت عليه، حيث تغيرت الكثير من عقوده الداخلة في واجهة القبلة، من العمارة التي قام بها محمد بك قهوجي سنة 1233 هـ، كما أن التجديدات التي حدثت للمئذنة أفقدت الجامع وجهاته الرئيسية.

 

الجميع اتفق على أهمية المسجد، وأنه من أقدم المساجد المعلقة في الصعيد، حيث بُني على ربوة بارتفاع من 3 إلى 4 متر، وتبلغ مساحته أربعة آلاف متر مربع، واستُخدِم في المعارك الحربية كحصن وقلعة وكاشف، كما ذهب الجميع إلى الأهمية الكبرى لمنبر المسجد، حيث أنه من أقدم ثلاثة منابر في مصر، وهو من الخشب الساج الهندي المحفور حفرا بارزا والمزخرف بالحشو المُجمع.

 

سُجل تاريخ المنبر على لوحة تذكارية فوق باب المنبر بالخط الكوفي المُزهر، مكتوب عليها ‘‘بسم الله الرحمن الرحيم (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، قام بعمل هذا المنبر المبارك الشريف مولانا وسيدنا الإمام الفائز بنصر الله أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه المنتظرين على يد فتاه وخليله السيد الأجل الملك الصالح ناصر الأئمة كاشف الغمة أمير الجيوش سيف الإسلام غياث الأنام كافل قضاة المسلمين وهادى دعاة المؤمنين عضد الله به الدين وأمتع لطول بقائه أمير المؤمنين وأدام قدرته وأعلا كلمته في سنة خمسين وخمسمائة’’.

 

في مواجهة القبلة يوجد محراب يرجع تاريخه إلى العصر المملوكي، زخرفت واجهته بزخارف بارزة قوامها عناصر نباتية وهندسية بديعة التكوين، وتشبه زخارف هذا المحراب زاوية زين الدين يوسف بالقاهرة، وكذا المحراب المملوكي في جامع عمرو بن العاص.

 

وتحيط بالمحراب كتابة بخط الثلث المملوكي نصها: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ، فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)، وحول طاقية المحراب قوله تعالى (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ).

 

وفى نهاية واجهة القبلة توجد مقصورة من الخشب الخرط على جانب عظيم من الأهمية، فالجانب الشرقي من المقصورة باق على صورته الأولى، ويتكون من حشوات بها زخارف محفورة حفرا عميقا وكذا الجانب الغربي، وكذا باب المقصورة مكون من حشوات سداسية الشكل يحيط بها من أعلى وأسفل أشرطة من خشب الخرط الذي انتشر استعماله في العصر المملوكي.

 

وداخل المقصورة يوجد كرسي مصحف مصنوع من الخشب المصنوع بطريق الحشوات المجمعة والمُطعّم بالعاج والصدف، ويحيط بالكرسي شريط من الكتابة بالخط النسخ المملوكي، وهي آية الكرسي والنص الآتي (أمر بإنشاء هذا المصحف المبارك المقر الكريم العالي المولى الأميري الأجلى عز الدين خليل المالكي الناصري أعز الله أنصاره بمحمد وآله).

 

ومن المرجح أن يكون منشئ الكرسي والمقصورة هو منشئ المحراب المملوكي بإيوان القبلة، أي أنها جميعها ترجع إلى أوائل القرن الثامن الهجري. ويوجد أمام المحراب المملوكي عامود من الرخام تعلو تاجه ‘‘طبلية’’ خشبية عليها نصان من الكتابة الكوفية، نُقلت إلى متحف الفن الاسلامى بالقاهرة، تحت رقم 3100، وقام بتحقيقهما وقراءتهما المستشرق الفرنسي جاستون فيت، فوجد أن الكتابة تحتوى على تاريخ سنة 473 هـ، كما عثر على اسم سعد الدولة سارتكين المتولي قيادة الجيوش الفاطمية في ولاية قوص.

 

ولتلك الأسباب رجح بعض المؤرخين أن منشئ هذا الجامع هو بدر الدين الجمالي، أمير الجيوش في عهد الخليفة المستنصر بالله عام 473 هـ، وذلك على يدي سعد الدولة سارتكين، قائد جيوش المنطقة. وفى عام 550 هـ، أمر الصالح طلائع، وزير الخليفة الغائر، بعمل المنبر المبارك.

 

ومن الأجزاء الهامة بالمسجد، القبة الموجودة في الركن الشمالي الشرقي، وهي منفصلة عن المسجد، ويتم الوصول إليها من دورة المياه، وتقوم القبة على أربعة عقود يعلوها في الأركان صفا من المقرنصات، مما حول المربع إلى مثمن، أقيمت فوقه القبة. أما من الخارج فالقبة مضلعة، ويتخلل الأضلاع فتحات على شكل نجمة سداسية.

 

مُنشئ القبة ومُجدد بعض أجزاء المسجد، هو مقلد بن علي بن نصر، في العصر الأيوبي عام 568 هـ، والذي أثبت أعماله في لوح رخامي ثبته في نهاية الجدار الشرقي، نصه (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، أمر بتجديد هذا الجامع المبارك العبد الفقير إلى رحمة الله مبارك بن كامل بن مقلد بن على بن نصر بن منقذ الناصري الفخري، في شهور سنة ثمان وستين وخمسمائة).

 

يحتوي الجامع على لوح تذكاري آخر مثبت على باب الميضأة، نُقش في وسطه شكل مشكاة، ثم كُتب تحته اسم المقرئ الشيخ الصالح جمال الدين محمد الناجي، وتاريخ وفاته عام 717 هـ، ومن الإصلاحات التي أجريت للمسجد، العمارة التي قام بها الأمير محمد كاشف عام 1233 هـ، وقد أثبت الأمير عمارته للمسجد في ثلاثة مواضع، أحدها في صحن الجامع والثاني على باب الميضأة، أما الثالث فقد ثُبّت على المدخل الرئيسي للمسجد، ويعتبر مسجد قوص أكثر مساجد الجمهورية احتواءً على اللوحات التذكارية التي تثبت كل إضافة أو إصلاح أو ترميم.

 

دخل على المسجد العديد من التعديلات بعد التي أجريت عليه عام 1233ه، حيث أجريت تجديدات في المسجد منذ عام 1970م إلى عام 1977م، وهي التجديدات التي أحدثت تغييرًا كبيرًا في المسجد، حيث تم إزالة الكثير من الأعمدة القديمة المصنوعة من الطوب اللبن، ولم يتبق منها غير القليل جدًا.

 

وفي أول توليه محافظًا لقنا، قام اللواء عادل لبيب، ببعض التعديلات والترميم في واجهة المسجد، ومؤخرا تم فرش المسجد بمساحة 200 م من السجاد الفاخر.

 

وكان المسجد قديما أقدم مدرسة في صعيد مصر، من حيث تحصيل العلوم والمعرفة، وهو السبب في أن أُطلق عليه ‘‘أزهر الصعيد’’، حتى أن المسجد يشبه بالفعل هيكل الجامع الأزهر في بناءه.

 

One Response to ‘‘أزهر الصعيد’’.. أقدم مساجد قنا المُعلّقة

  1. سامح 1:05 مساءً, 4 أغسطس, 2014 at 1:05 مساءً

    ” الذين أرجعوا بناء المسجد العمري بقوس، لعام 550م، في العصر الفاطمي” أكيد أن عام 550 م لم يكن الاسلام ظهر بعد،، وأيضا قوص بالصاد وليس السين الرجاء التصويب

You must be logged in to post a comment Login