أرملة الـ19 سنة: أصبحت أمًا لطفلين غير قانونيين بسبب ‘‘زواج التصادق’’

لوحة بعنوان - زواج القاصرات لفنانة فلسطينية

لوحة بعنوان – زواج القاصرات لفنانة فلسطينية

**قانونيون: القانون منع الزواج دون السن لكن لم يحدد عقوبة

**أطفال هذا الزواج يُحرمون من الرعاية الصحية والاجتماعية.. والزوجة لا يمكنها الطلاق

 

سوهاج: شيماء دراز

بني سويف: حمدي سليمان

فتاة لم تتجاوز الستة عشر سنة، وشاب لم يتم عقده الثاني، يعقد المأذون زواجهما شفهيا، دون توثيق للعقد، الذي يحتفظ به المأذون لحين إتمام الفتاة للسن القانوني. هذا النوع من الزواج انتشر في الفترة الأخيرة في بعض محافظات الصعيد، وأكثرهم سوهاج وبني سويف، تحت مسميات مختلفة، منها ‘‘زواج السنة’’، و‘‘زواج التصادق’’.

 

بعد أن انتشرت خطوبات بين أولاد وبنات في سن الطفولة مؤخرا، واتخذها البعض مادة للسخرية، اعتقادا من الجميع بأنها تظل مجرد خطوبة، لكن ما يحدث الآن أن الزيجة تتم دون عقد رسمي، لأسباب تعددت بين سفر العريس للخارج والتعجل في إتمام الزواج، أو رؤية الأهل أن الفتاة ‘‘مش ناقصها حاجة’’، فهي في نظرهم مُجهزة لتصبح مسئولة عن بيت وحياة كاملة.

 

عُرف هذا الزواج بكثرة في بعض قرى سوهاج، حتى اصطُلح على الفتاة التي تتجاوز الثامنة عشر دون زواج أنها ‘‘عانس’’، غير مبالين بما قد يترتب على ذلك التعجيل غير المبرر من مشكلات، اجتماعية وصحية وقانونية، فالفتاة التي تتزوج تكون مجرد طفلة، قد تُنجب أطفالا، يبقوا دون شهادة ميلاد، لأن زواج أبويهما من الأساس غير موثق.

 

(ن.م) تعيش مأساة سببها هذا الزواج، ورغم أن عمرها لم يتجاوز التاسعة عشر سنة، فإنها أرملة وأم لطفلين، بعد أن غصبها والدها على الزواج من ابن عمها الذي يعمل في المحاجر بالمنيا، ويكبرها بعشر سنوات، ورفض الانتظار عامين حتى تبلغ السن القانوني، مستغلا عدم إحكام القبضة الأمنية عقب ثورة 25 يناير، ليستمر زواجها عامين ونصف أنجبت خلالهم طفلين أكبرهما تُكمل عامها الثاني والآخر رضيع، وتوفي زوجها في حادث بالمحاجر، وهي حامل في ابنها الثاني.

 

بعد وفاة الزوج، تقدم شقيق زوج الأرملة الشابة، للزواج منها، رغم أنه يكبرها بأكثر من عشرين سنة، ومتزوج ولديه أبناء، إلا أن تلك تقاليد العائلة ولا تستطيع الهرب منها، وعندما حاولت الإفلات، وجدت نفسها أمام مصيبة، فتقول ‘‘لما اخترت أكون أم وبس لولادي، وأعيش عشان أربيهم وأعلمهم، افتكرت إنهم في نظر القانون مش موجودين أساسا، فزوجي توفي قبلما نوثق العقد، وطبعا أولادي مالهومش شهادات ميلاد، ولا هقدر أعملها من غير قسيمة زواج، أنا في نظر القانون لسه آنسة’’.

 

استغل عم أبنائها الموقف في الضغط عليها لقبول الزواج، فرفض منحها ميراث أبنائها، الذي يُقدر بأكثر من مائة وخمسين ألف جنيه، ليزداد الأمر تعقيدا، ولا تستطيع حتى اللجوء للقانون، حتى لا تعرض نفسها وأهلها للمساءلة القانونية.

 

الشيخ (محمد.ع)، مأذون شرعي بسوهاج، يقول إن هذا الزواج يلجأ له الأهالي رغبة في ‘‘ستر’’ بناتهم، حيث يروا أن الفتاة أصبحت ‘‘عروسة’’ بمجرد أن تتم عامها الرابع عشر، وهو جائز شرعا، على حد قوله، فالأصل في الزواج الإشهار، موضحا أن المأذون يضطر لتنفيذ رغبة أهل الفتاة، ويجمع عدة عقود ويسجلها معا بنهاية كل عام، ولكن بعد قانون رفع سن الزواج، أصبح ذلك غير قانوني، وأصبح عليهم تسجيل العقد، ورغم ذلك هناك مشايخ يقومون به، خاصة في القرى.

 

أما الشق القانوني للظاهرة، فيوضحه محمد المدني، محامي، قائلا إن ‘‘المادة 31 مكرر من قانون الطفل رقم 126 سنة 2008 تحدد أهلية الفتاة، ولا يجوز توثيق عقد الزواج قبل بلوغها السن المقرر للزواج وهو 18 سنة، لكنه لم يقرر أي عقوبات على من يخالف السن القانوني، لذلك تستمر الظاهرة في الحدوث’’.

 

وفي بني سويف، اتخذت الظاهرة شكلا مشابها، حيث يتم هذا الزواج باتفاق عرفي بين العائلتين، وكتابة عقد غير موثق، لحين إتمام الزوجين للسن القانوني، فيتم توثيق العقد، وتتزايد نسبته عاما بعد الآخر، طبقا لتقارير محكمة الأسرة، حيث بلغ العدد في عام 2011 إلى 760 حالة، ثم ارتفعت عام 2012 إلى 2733 حالة، حتى وصل التقرير ربع السنوي لعام 2013 إلى 335 حالة، مما ينذر بأزمة تهدد حقوق الفتيات في تلك القرى.

 

وتطالب ليلى أبو عقل، وكيل وزارة العدل لشئون الأسرة ببني سويف، بتطبيق عقوبة رادعة على أولياء الأمور الذين يرتبكون تلك الجريمة، وتفعيل المواد المتعلقة بذلك في الدستور، لما يمثله من خطورة كبيرة على المجتمع السويفي، وغيره من مجتمعات القرى بالصعيد.

 

ومن جانبها، توضح ‘‘سمية كويس’’ المحامية، ورئيس رابطة محاميات بني سويف، أن الزواج المبكر دون السن القانوني يُدخلنا في مشاكل قانونية، ويهدر حقوق المرأة، فإن أرادت الطلاق، لن تستطع الذهاب للمحكمة، كما تُهدر حقوق الأبناء، في الرعاية الصحية وأبسطها التطعيمات التي تقدمها الحكومة، والتي يشترط للحصول عليها شهادة الميلاد.

 

ويؤكد الدكتور جمال عبد المطلب، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بني سويف، أن أسباب هذا الزواج ترجع إلى النعرة القبلية في مجتمعنا، والتحقير من شأن الفتيات، فالاكتفاء بإعدادهن للزواج دون الاهتمام بالتعليم، واشتراط الزواج من نفس العائلة، حتى لو كان فرق السن كبيرا.

 

You must be logged in to post a comment Login