أرض عزيزة.. عِرضها وسندها

– هدير حسن
ترفع هامتها بعد إنحناءة طويلة، لتلتقط أنفاسها المتسارعة، ويظهر العرق المتساقط من وجهها، وهو يحكي لك عن سنين طويلة قاربت على الأربعين عاشتها “عزيزة” مع أرضها بقرية الإقواز بالصف، تزرعها وتنتظر حصادها، متأملة أن تسترها إلى أن “تذهب إلى رب كريم”.

 

عرفت عزيزة أرضها، مع زواجها وهي في سن صغيرة، لا تتذكرها، ولكن الأكيد أنها لم تتعدى الخامسة عشر، ومن يومها تمسكت بها حتى وصلت إلى منتصف عقدها الخامس.

 

كانت عزيزة تعاون زوجها في زراعة النصف الفدان، الذي يملكه، حتى توفي بعد 18 عاماً من الزواج وترك لها همّاً ثقيلاً، أرض تحتاج إلى رعاية، وخمسة أطفال ينتظرون المستقبل، ولكنه تركها أيضاً لضغوط عائلته وأشقائه، الذين حاولوا بإستماتة أن يجبروها على أن تاخذ نصيبها من الأرض وتترك أولادها وبيتها ليفوزوا بهم، إلا أن عزيزة، بما تملكه من قوة إرادة وعزيمة وإصرار، رفضت ولسان حالها يقول “إزاي أسيبلهم عيالي يتحكموا فيهم، ويضيعولهم الأرض علشان هما صغيرين”، فقرروا ألا يساعدوها في تربية الأولاد وتحمل مصروفاتهم.

 

وحتى تستطيع أن تكفل لأبنائها حياة كريمة، لجأت للعمل بالإيجار في أراضي الغير تحصدها وتزرعها وتقوم برعايتها وحدها بجانب أرضها، لتجني في النهاية أجر ضئيل، تقول عنه “قدرت أجوز البنتين وربنا قدرني على تعليم التلات ولاد ،الكبير فيهم إتجوز والباقي اشتغلوا”.

 

استطاعت عزيزة أن تُعين أبناءها، ولكنهم الآن يرفضون إعانتها، فما زالت تزرع وتهتم بالأرض وحدها دون مساعدتهم، وكلما حدثتهم عنها قالوا “إحنا مش عاوزين نشتغل في الأرض دي، إحنا عاوزين نبيعها”، بينما ترى عزيزة “الأرض ساترانا ومش ممكن أبيعها دلوقتي خالص، بزرعها قمح وبرسيم وذرة، نبيعهم أو ناكل منهم، حد طايل دلوقتي يكون عنده أرض”.

 

وعلى الرغم أنها تجاوزت الخمسين، ولكنها بين أرضها وكأنها “بنت عشرين”.

 

 

You must be logged in to post a comment Login