أديبان قناويان يرسمان صورة جديدة للوحدة الوطنية

**صفوت القبطي يكتب عن الأولياء والأضرحة الإسلامية وعبد السميع المسلم ينشد أشعاره عن الأديرة والكنائس

 

قنا: أحمد الحداد

على بُعد كيلو مترات قليلة من المناطق التي شهدت أحداث فتن طائفية مؤسفة خلال السنوات القليلة الماضية، بل من قلب تلك الأماكن، التي كانت حديث الرأي العام، هناك صورة مختلفة للأماكن المشتعلة بالصراعات في قلب ، لكنها صورة تدل على المعدن الأصيل للشعب المصري، وهي ليست نادرة أو غريبة عليه، لكنها بعيدة عن عدسات الكاميرات.

 

الصورة هنا كانت لشاعر مسلم ومؤلف مسرحي قبطي، يعيشان حياة مختلفة، لا تعرف التعصب ولا العنصرية، حياة محصنة ضد الفتن الطائفية، كل منهم يعتز ويفخر بدينه دون تعصب أو تشدد، حيث رأى كل منهم صورا جميلة في حياة الآخر، لم يتمكن كثيرون من رؤيتها، فقررا أن يُظهرا تلك الصور الجميلة للنور من خلال إبداعاتهم الأدبية المميزة، ويرسما من خلالها صورة جديدة لحياة التسامح التي كانت وما زالت تسود بين أهالي الصعيد مسلمين وأقباط.

 

الشاعر والمؤلف المسرحي صفوت سيفين لبيب، والشهير بـ‘‘صفوت البططي’’، قرر أن يهب مؤلفاته المسرحية وأفلامه التسجيلية لأولياء الله الصالحين، وأن يرصد مظاهر المحبة والتسامح في الدين الإسلامي من خلال أشعاره ومسرحياته المتألقة دائما، والتي حصد خلالها العديد من الجوائز على مدار حياته الفنية.

 

يقول البططي إن التراث والفن الشعبي المصري لم يُفرّق بين مسلم وقبطي، مضيفًا ‘‘قمت بعمل 3 حلقات عن شهر رمضان المعظم بمسجد سيدي عبد الرحيم القناوي، فالحياة الصعيدية ليس فيها فرق بين مسلم ومسيحي، فعلى سبيل المثال لا الحصر أيام العزاء عند المسلمين 3 أيام هي نفسها عند المسيحيين، كذلك ارتباط المسلمين بالأضرحة وذبح الذبائح يحدث مثله بالضبط في الأديرة القبطية’’.

 

ويتذكر الشاعر الأيام التي عاشها بالقاهرة بعيدا عن أهله، وإصرار جيرانه المسلمين على حضوره إلى قنا ومساهمتهم في زواجه، لافتًا إلى أنه نشأ نشأة إسلامية بين مسلمين متسامحين، أما العقيدة فمسيحية.

 

صفوت البططي، الذي لا يجد غضاضة في أن يبادرك في لفته جميلة بـ‘‘صلي على النبي’’، لكي يعطى للحديث جاذبية وتشويق، قال مادحا في القطب الصوفي سيدي عبد الرحيم القناوي:

ومددين يا أبو قبة وراية خضرا

وكراماتك باينة وظاهرة

هيمان أنا بمدح في الحضرة

قطب الصعيد يا أسد

زايد الحسب والنسب

في سيرتك يا سيد بيحلى الكلام

يا سبط الرسول عليه السلام

سيرتك يا سيد بيحلى الكلام

بدمع اللي صلى وزارك

على الدوام أنا جاي

أزورك يا نسل الكرام

وفي سيرتك يا سيد بيحلى الكلام

 

دافع الكاتب المسرحي القبطي باستماتة عن القطب الصوفي ‘‘ابن عروس’’ ضد الاتهامات التي وجهها له البعض بسبب مسرحية ‘‘ملاعيب ابن عروس’’، والتي حصدت 9 جوائز. وفي مسرحيته ‘‘الطيب والبشوشة’’ تناول البططى علاقة الإسلام بالآخر، معتمدا على رسائل ‘‘لوسي دوف جاردون’’، التي جاءت لمدينة الأقصر للعلاج ودونت مشاهداتها في رسائل سجلت أحداثا كانت هي شاهدها الوحيد، من أبرزها ثورة الفلاحين علي فاضل باشا.

 

واعتمادا على تلك الرسائل كتب البططي نصه ليقدم من خلال تلك السيدة والشيخ الأزهري يوسف أبو الحجاج الأقصري صورة ناصعة للإسلام، وكذلك صراع البسطاء مع قسوة الحاكم ونضالهم المقدس ضد الظلم الصارخ والطغيان الغشيم.

 

وفي أوبريت ‘‘ألعاب قنا’’ يتناول البططى الألعاب الشعبية ويركز على لعبة ‘‘البلابيصة’’، التي يتعانق في كلماتها الفرعوني والقبطي والإسلامي عناقا بسيطا وتلقائيا لا افتعال فيه ولا تعسف، وكان للبططي دورًا واضحًا في المساهمة في إنشاء أول فرقة للإنشاد الديني في قنا.

 

وفي المقابل نرى الشاعر المسلم فتحي عبد السميع، الذي يستمتع ويمتع الناس معه ويطربهم بأشعاره حول الأديرة والكنائس الأثرية بالصعيد، وهو يصفها ويتغزل في جمال مبانيها وروعة أماكنها، مثل قوله مادحا الشهيد مار جرجس في قصيدته الطويلة ‘‘سرك يا مارى جرجس سرك’’ يتحدث من خلالها عن تفاصيل مولد الشهيد، الذي يقام برزيقات أرمنت الواقعة جنوب الأقصر، قائلا:

ما في راسي سوى مار جرجس وهو يطعن الوحش

كل الذين أحبهم طعنوا وحوشا وصعدوا

 

ويقول الشاعر ‘‘تناولت المصري ككتلة واحدة وهو يعانى نفس المعاناة، ولم يحدث في لحظة أنني عبرت عن المسلم دون المسيحي، كما أن كل ما ارتبط بالوحدة الوطنية من عكارات هي أشياء مصنوعة وغير أصيلة، ولو نظرنا لعلاقة المسلم والمسيحي سنجد التجانس والتناغم والانصهار واضحين سواء في المعاملات اليومية أو الموروث الشعبي الوجداني’’.

 

الشاعر عادل صابر، ‘‘أمير شعراء الواو’’ بقنا كما يلقبونه، أحد أبرز الشعراء الذين يبرزون الوحدة الوطنية، والذي أبدع في قصيدة تحمل اسم الفكرة ‘‘الوحدة الوطنية’’، قال فيها:

والكل شايف وسامع

أحباب ما بينا دسيسة

جرجس بيبني في جامع

وأحمد يَبيض كنيسة

You must be logged in to post a comment Login