أبو الحسن الشاذلي.. صاحب المقام الذي عمّر الصحراء في رمضان

**مشقة السفر لا تمنع مريديه من الذهاب إليه.. وأصوات المديح والذكر والإنشاد تملأ الصحراء

**الحاجة زكية صاحبة الفضل في تعدد ساحات الشاذلي.. وطقوس رمضان تستمر حتى عيد الأضحى

** زوار الشاذلي يعدون الموائد الفاخرة للإفطار والسحور ويأكلون القليل منها

 

أسوان: يسرا على

في شهر رمضان من كل عام، يتحول مقام الإمام المغربي أبو الحسن الشاذلي، الذي يقع على الطريق الصحراوي بين محافظتي أسوان والبحر الأحمر، إلى مزار سياحي، حيث يقصد الصوفيون والدراويش وأحباب آل البيت والباحثون عن تحقيق مطالبهم، المقام طيلة الشهر.

 

يصل زائر الشاذلي إلى المقام بعد المعاناة من مشقة السفر، لكن أشواق مريديه وحاجتهم له تهون تلك المشقة، حيث يزوره حوالي مليون زائر طوال شهر رمضان، وتستمر الاحتفالات هناك حتى وقفة العيد الأضحى.

 

يبدأ الزائر في سماع المكبرات الصوتية قبل وصوله للمقام، حيث تردد الأذكار والمدح والإنشاد الديني وأشعار رجال الطريقة الشاذلية في مدح الإمام، وترديد الأذكار الشاذلية بأصوات المشايخ والمداحين مثل ياسين التهامي وأمين الدشناوي، بجانب أصوات الدراويش ومحبي الشاذلي من الأطفال والرجال وأحياناً النساء.

 

توجد العديد من الساحات حول مقام الشاذلي، والتي أنشأها أصحاب الطريقة الشاذلية، وتختلف كل ساحة عن الأخرى من حيث الفرش والخدمات التي تقدم فيها، كما تختلف الحالة المادية لمريديها لأن هناك ساحات مكونة من طابقين وثلاثة للإقامة، ولكن تتفق جميع الساحات في الطابق الأرضي.

 

أشهر الساحات بمقام الشاذلي ساحة الحاجة زكية، والساحة الأحمدية، وساحة الأشراف، وساحة السادة الرفاعية والمرغنية، وأولاد الشيخ عبدالسلام، والسمانية، والبرهامية الشاذلية، ويرجع الفضل في وجود تلك الساحات إلى الشيخة زكية عبد المطلب، وهي من مريدي الشاذلي، عندما أقامت في أوائل الثمانينات مقاما بجوار الولي، وكان الطريق غير ممهد لوصول الناس إلى المقام، وأثناء زيارة مفاجئة لمحافظ البحر الأحمر لتفقد المكان والتبرك بالشيخة زكية، بعدما ذاع صيتها وكان المحافظ في ذلك الوقت محباً للتقرب من الأولياء، فسألها عن ما تحتاجه فطلبت منه عمل طريق أسفلتي ليربط المكان بالعمران، ولكن اعتذر لها المحافظ بسبب عدم وجود اعتمادات مالية، ووضعت الشيخة زكية يدها في جيبها وأخرجت بعض العملات المعدنية وأعطتها له، وحين رجع المحافظ لمكتبه وجد الاعتماد قد وصل، وبدأ في رصف الطريق، وبعدها توافد الزوار والمريدين وأصحاب الساحات من مختلف البلاد.

 

تمتد موائد الإفطار بالساحات قبل آذان المغرب، للبدء في تناول الطعام فور سماع الآذان، وتتحول الساحة بعد صلاة التراويح إلى ذكر للمريدين، ويستمر ذلك حتى ميعاد السحور، لتمتد الموائد مرة أخرى وتصبح الساحات جاهزة للمبيت فور صلاة الفجر، ويسكن الرجال الطابق الأول أما النساء يُجهز لهم الطابق الثاني، وبالنسبة للطوابق العليا فهي مخصصة لأصحاب الطريقة والمشرفين عليها من الخلفاء وشيخ الطريقة والمنشد الديني.

 

ومع بدء يوم جديد بمقام الشاذلي، تجد أشخاص يقدمون خدمات للموجودين دون طلب، وما يثير الدهشة أن منهم القاضي ورجال الجيش والشرطة، ومنهم الطبيب والمهندس أو دكتور الجامعة وأعضاء بمجلس الشعب والشورى، وذلك حبا وتقرباً للشاذلي.

 

وبالنسبة للطقوس اليومية لمريدي الشاذلي في شهر رمضان، يبدأ الموجودون بالطواف حول المقام ثم الصلاة والابتهال بالأدعية وقراءة القرآن الكريم حتى آذان المغرب، وبعد تناول الإفطار يبدأ جماعة من الدراويش بإنشاد النشيد الموحد للجميع “شاذلي يا أبو الحسن”، والطواف مرة أخرى ثم تقام حلقة ذكر بجوار المقام وبجميع الساحات.

 

يحمل جميع الموجودين بالساحة الرفاعية السيوف والعصي للرقص بطريقة الحجل، ويتنافس الشيوخ والشباب والأطفال لإظهار المهارات والقدرة على الصبر والتحمل, أما احتفالات مريدي الشاذلي من النساء تكون بالساحات الخاصة بهن، وذلك بعمل زفة صغيرة وتحمل السيدة فوق رأسها صينية مليئة بالحنة وبها الشموع المشتعلة، ويلتف حولها البنات والسيدات بملابسهن الملونة، أما السيدات الأكبر سناً يلبسن الثوب الأسود المميز لأهالي القرى “الملس”، وبالرغم من تواجد العديد من نساء المدن بالمقام لا يلبسن الثياب الخاصة بالمدينة باستثناء البدويات، حيث يلبسن اللبس البدوي الخاص بهن، ويلتف حولهن مجموعة من الأطفال لمتابعة الزفة بالفرح والبهجة، ويجب أن تمسك واحدة من النساء طار تدق عليه وتغني “شاذلي يا أبو الحسن”، ويردد وراءها البنات بالغناء والتصفيق والزغاريد والرقص، ثم تخرج الزفة من الساحة للطواف حول المقام، وتشبه زفة النساء زفة العروسة ليلة الحناء، حيث ترفض حاملة الحنة إعطاء أي شخص قطعة من الحنة، مبررة ذلك بأن الجميع سوف يتحني عند المقام، وتتخيل كل واحدة من النساء المشاركات بالزفة أنها عروسة لأبو الحسن الشاذلي، وتلك الزفة للاحتفال بليلة حنتها.

 

ولا تخل الليالي والاحتفالات من اللصوص، فهم يظهرون كأنهم من مريدي الشاذلي، ولكن يتم ضبطهم أثناء سرقتهم للأشخاص المتواجدين بالاحتفال، وذلك بسبب الازدحام الشديد، ومن يتم ضبطه يعرض على شيخ الطريقة ويحدد له جزاءً لفعلته دون تسليمه للشرطة، ويعتبرها الشيخ مساعدة لمن انحرف عن طريق الصواب أن يعود إليه مرة أخرى.

 

وفي نهاية اليوم، يجهز المقتدرون من مريدي الشاذلي موائد فخمة للإفطار والسحور، ولكن أغلب مريدي الشاذلي ومشايخ الطريقة يكتفون بالتمر وكسر الخبز والزبادي واللبن والماء، بالإضافة إلى الشاي الذي يعد المشروب الرسمي للمكان، دون الإسراف في الطعام، مبررين ذلك بأن شهر رمضان للعبادة وليس لكثرة الطعام، وأنهم في رحلة زهد بجوار أبو الحسن الشاذلي.

 

وتتكرر الطقوس والاحتفالات إلى انتهاء شهر رمضان، وتبدأ مرة أخرى مع اختلاف بعض التفاصيل في العشرة الأوائل من ذي الحجة، حتى عيد الأضحى، ويعتبر الزائرون أن زيارتهم للمكان بمثابة الحج، ويقومون بعمل بعض مناسك الحج لأخذ البركة من الإمام.

 

كان الإمام أبو الحسن الشاذلي يتمنى أن يدفن في مكان لم يعص أحد الله به، واختار الصحراء لتكون ذلك المكان، لأنها تعد أرض الخلاء ومكان تعبد الأنبياء والزهاد، وفى أثناء مروره مع أتباعه في طريقهم إلى مكة المكرمة لحج بيت الله الحرام، كانت خطوات الشيخ متجهة تحديداً إلى ذلك المكان دون علم أحد من أتباعه بنيته، وأنه سيظل بالمكان إلى أن تنتهي حياته، وبالرغم من أن الإمام الشاذلي كان كفيفا لكن لم يعترض مريديه علي الطريق الذي اختاره للذهاب إلى الحج، وهو ليس الطريق المعتاد لهم، وكان معه أشهر تلاميذه أبو العباس المرسي، خليفته وزوج ابنته، وبعدما استقروا في المكان الذي اختاره الإمام وانتقل الإمام الشاذلي إلى رحمة الله ودفنه أتباعه بجوار البئر التي أصبح ماءه المالح حلواً بعد أن شرب منه الشاذلي، ثم ظل البعض من أتباعه بجوار الضريح.

 

بدأ الكثير من مريدين الشاذلي زيارة البئر للتبرك به، وهم في طريقهم إلى الحج، والبعض يأتي بسبب المرض والحب والتبرك من الإمام، ومن هنا بدأ التوافد على المقام وتزايد مرديه، ويزوره آلاف الزائرين يومياً، وأصبح مقام الشاذلي المعجزة التي جعلت الصحراء عامرة.

 

You must be logged in to post a comment Login