أبراج حمام ‘‘الوقف’’.. قصة مائة عام من العزلة

قنا: رغدة مصطفى

تنتشر أبراج الحمام الجبلي بمركز الوقف بقنا، يُنشئها الأهالي في مساحات واسعة بعيدة عن المساكن، إذ لا يختلط الحمام الجبلي بالبشر، ويستوطن عادة في الجروف الصحراوية أو الساحلية، ويلجأ الأهالي إلى بناء أبراج الحمام لجذبه للبقاء بها كبديل عن الجروف، مع توفير الكم المناسب من الغذاء، ليقبل الحمام الاستيطان بها، وترك بيضه وفراخه الصغيرة، والانطلاق لرحلته اليومية في البحث عن الغذاء الأوفر والماء.

 

تعود أبراج حمام الجد الراحل ‘‘ذكي أبو الشيخ’’ لأكثر من مئة عام بالوقف، شيدها من ثلاثة أدوار من الطوب الأخضر. ‘‘عشان حنين على الحمام’’، هكذا يفسر محمد محسن، أحد أحفاده، اختيار الطوب الأخضر في بناء الأبراج، إذ يحتمل درجات الحرارة المختلفة، ولا ينقل الحرارة الشديدة صيفًا، أو المنخفضة شتاءً للحمام فيحميه.

 

وتحوي كل ‘‘بيكة’’ أو طابق مئات ‘‘القواديس’’،، أو الأواني فخارية، وهي أماكن الأعشاش، وحفظ البيض أو الفراخ الصغير للحمام، كما تضم ‘‘بنيات’’، وهي مكان الزوج الواحد من الحمام.

 

توقف إقبال الحمام الجبلي على الأبراج مع وفاة الجد، إذ لم يهتم الأبناء بتوفير حد أدنى من الغذاء فجرها الحمام، وبقيت الأبراج خاوية لسنين دون فائدة، إلى أن قرر عدد من أحفاده تحويل المساحة الأمامية منها إلى حظيرة للماشية.

 

ومع الوقت عادت أسراب الحمام الجبلي للأبراج، وكانت تتغذى على ما يُقدم للحيوانات، ويوضح محسن سر تقبل الحمام الجبلي للاختلاط بالحيوانات، ورفضها للبشر ‘‘عشان بيلاقى وسطها الخير ورزقه’’.

 

لا يستفيد الأهالي بالحمام الجبلي كغذاء لهم في الأغلب لصغر حجمه، بل ترجع أهميته لمخلفاته، التي يتم تجميعها كل أسبوع كأسمدة للأراضي الزراعية، وتُعد من أجود الأنواع وأغلاها ثمنًا، ويحرصون على تجميعها وقت غياب أسراب الحمام للبحث عن الماء أو الغذاء بعيدًا.

 

الرحلة اليومية للحمام تستغرق ثلاث ساعات من الحادية عشر صباحًا للثانية ظهرًا، ويبرر محسن اختيار هذا التوقيت بخشيتهم رؤية الحمام لهم، مشيرًا إلى أن هذا قد يجعلها تهجر الأبراج، إن علمت بتردد البشر عليها.

 

ورغم تخوف الأهالي من إمكانية هجر عدد من أزواج الحمام البلدي للأبراج، واختيارها العيش بحرية مع الحمام الجبلي، إلا أن حمامة جبلية كسرت القاعدة بقرارها البقاء على سطح أحد المنازل بشكل دائم.

 

تروي آيات عبد الحكيم، زوجة محسن، قصة الحمامة الجبلية التي كانت تسكن على سطح منزل والدتها، إذ يتسم المنزل بالهدوء والسكينة، ولا يتواجد به سوى أمها وأبيها، وكانت والدتها حريصة على عدم التطفل على الحمامة، أو الاقتراب من بيضها، إلا إذا سقطت واحدة داخل المنزل، فتعطيها لأحد الجيران للإستفادة منها.

 

ويوم وفاة الأم دخلت الحمامة لحجرتها، وأصرت على البقاء فيها، رغم محاولات الأهل العديدة لإخراجها، لكن ظلت الحمامة تراقب مع الأهل الأم وهي في ساعاتها الأخيرة، إلى أن فارقت الحياة، وخرجت من الحجرة مع جسد صاحبتها، لتمثل علاقتهما كسرًا للمعتاد من رفض الحمام الجبلي الاختلاط بالبشر.

You must be logged in to post a comment Login